صرح الحميدي [1] رحمه الله بأن سبب اختلاف مذاهب الفقهاء هو ما ذكرته فيه، وإذا جاء مثل هذا في مذاهب الفقهاء جاز مثله في مذاهب المفسرين لاشتراكهما في السبب، وكونهما من الدين، فإن قلت: لا يظنّ بعلماء السلف الصالح مع ورعهم وزهدهم وثقتهم وأمانتهم، وما كانوا عليه من خوف الله ورهبته، وتعليم آياته وكتبه، أن يقدموا على تأويل القرآن من عندهم، مع علمهم بقوله عليه السلام: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» رواه الترمذي [2] وحسنه، وفي لفظ وأضاف: فقد أخطأ، وبما حكي عن الصدّيق رضي الله عنه من قوله: «أيّ سماء تظلّني، وأي أرض تقلّني إذا قلت في القرآن ما لا أعلم» . وكان الأصمعي [3] مع تقدمه وسعة باعه في اللغة، يحتمي تفسير القرآن وإعرابه، وإذا احتمى تفسيره والكلام فيه مثل هذين الإمامين المتقدمين في عصرهما، فغيرهما ممن هو دونها أولى، وحينئذ يتعين حمل كل ما نقل من تفسير القرآن على أنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم.
قلت: قد بينّا أن نسبة جميع ما نقل من التفسير إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم مما لا سبيل إليه البتة لوقوع الخلاف فيه، والتناقض، وتصريح كثير من المفسرين بنسبة أقوالهم إلى أنفسهم، وأما ما ذكرت من الشبهة فلا مرية في إنصاف السلف بما ذكرت من الصفات الجميلة، لكن ذلك لا ينافي كلامهم في القرآن لوجوه:
أحدها: أن تقدير صحة الحديث المذكور يجوز أنهم ما علموه. أو أن الذي علمه منهم لم يتكلم فيه، ولسنا ندعي أن جميعهم تكلم فيه بل بعضهم، وحينئذ يكون خطأ من أخطأ منهم في تأويله، خطأ اجتهاديا وهو مرفوع كما في أحكام الفروع.
(1) الحميدي صاحب ابن عيينة، وهو عبد الله بن الزبير المكي مات بمكة سنة 219هـ المعارف 229.
(2) هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ولد سنة 200وتوفي سنة 279هـ وله تصانيف كثيرة في علم الحديث. تيسير الوصول إلى جامع الأصول وهو جزء من حديث صحيح الترمذي بشرح الإمام ابن العربي ذكره في باب الفتن «ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» وفي مسند ابن حنبل «من كذب على القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» 1/ 323. 327.
(3) هو عبد الملك بن قريب من باهلة، كان شديد التوفي لتفسير القرآن وحديث النبي، ولم يرفع إلّا أحاديث يسيرة، وصدوقا في غير ذلك من حديثه، ولد سنة 123وعمر نيفا وتسعين سنة المعارف 236.