وقال بعض الحكماء: البطنة تذهب الفطنة [1] فمفهومه عكسه، ووفق ما سبق وحكى لي بعض أصحابنا البغداديين السالكين آثار القوم، قال:
كنت ذات ليلة مضطجعا في بيت مظلم، وأنا أفكر في كيفية إدراك الكاشفين للغائبات. فبينا أنا كذلك، إذ رأيت دائرة نور في سقف البيت فجعلت أنظر بها إلى جميع ما في البيت فأحسه. قال: وسمعت هاتفا يقول، أو قال: وقع في روعي «هكذا يكون» .
وقد صنف الغزالي رحمه الله جزءا حسنا في العلم اللّدنيّ، وبيّن فيه شروط حصوله، وكيفية فيضانه، والله أعلم.
ونحن إنما ذكرنا العلوم التي ينبغي للمفسر الاعتناء ببيانها، وغالب التفاسير المتأخرة يقتصر من هذه العلوم على اللفظي. ومن المعنوي على الأقاصيص والفقه، ويتفاوت بعضها على بعض في هذه العلوم قلة وكثرة.
ومنهم من يقتصر على الأحاديث المتعلقة بأسباب النزول والتفسير ونحوها من النقليات: كعبيد بن حميد، وعبد الرزاق [2] ونحوهما من مفسري المتقدمين.
ومنهم من يقتصر على الأحكام اللغوية من إعراب وتصريف ونحوهما، وشيء من علم المعاني كالزجاج [3] ، والفراء [4] والزمخشري [5] .
ومنهم من استوفى كثيرا من علومه، كابن الجوزي [6] ، والرسعني.
(1) مثل يضرب لمن أبطره غناه، وفي مجمع الأمثال: البطنة تأفن الفطنة.
(2) هو عبد الرزاق بن همام بن نافع مولى لحمير ويكنى أبا بكر مات باليمن سنة 210هـ. المعارف 221.
(3) هو أبو إسحاق بن محمد بن السري الزجاج أقدم أصحاب المبرد وتوفي 310هـ. الفهرست 60.
(4) هو أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء توفي سنة 207هـ. الفهرست 66.
(5) هو محمود بن عمر جار الله صاحب تفسير الكشاف ولد سنة 538497هـ البغية 2/ 279.
(6) هو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي أبو الفرج علامة عصره في التاريخ والحديث مولده ووفاته ببغداد وله نحو 300مصنف توفي سنة 597هـ. الأعلام 4/ 89.