فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 381

حصول الولد للشيخ الكبير الذي بلغ من الكبر عتيا من امرأة عاقر، والبكر البتول من غير أن يمسها بشر، كلاهما على خلاف العادة وهو عجب، لكن قصة مريم أعجب وأخص من وجوه:

أحدها: أن كل مولود من غير أب عجب، وليس كل عجب مولودا من غير أب.

الثاني: أن الولادة بغير أب معجزة، وليس ولادة الشيخ والعجوز العقيم معجزا لأن ذلك قد وجد في حق إبراهيم وسارة، ولم يعد معجزا، أقصى ما في الباب أنه كرامة، لكن درجة الكرامة دون درجة المعجز بالضرورة ولئن سلم أن ولادة العقيم معجز، لكن في بعض الصور، لا في كلها، بخلاف الولادة بغير أب، فإنه معجز في كل صورة.

الثالث: أن كل معجز عجب خارق للعادة، وليس كل عجب خارق للعادة معجزا، وإذا تقرر بما ذكرته أن قصة مريم أخص، كان ذلك مقتضى مناسبا لاختصاصها بالخلق الذي هو من الفعل أخص، وما أظن عاقلا يفهم هذا البحث، ويتصوره يشك في حسنه، وفي شرف هذا العلم الذي استمد منه، والله أعلم.

واعلم أن لما ذكرنا من إضافة التخصيص إلى المقتضى المناسب نظائر تؤكده وتشهد لصحته:

أحدها: قول الفقهاء: الأصل في الأحكام التعليل، فمتى وجدنا للحكم علة مناسبة، أضفناه إليها، أو قسنا عليه ما وجدت فيه، وبهذا استدلوا على صحة العلة القاصرة، أعني: بأن الأصل التعليل، فحكم القاصرة معلل بها بمقتضى الأصل، وبأن فائدتها فهم الحكم بعلته، وهو أدهى إلى الامتثال.

الثاني: قول الأصوليين ذكر الحكم عقب الوصف المناسب يفيد عليّته، نحو

{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} (1) {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا} (2) أي لعلّة الزنا والسرقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت