وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِذَلِكَ الْعَجَمُ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا قَرَأَ: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} قَالَ رَجُلٌ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: فَلَمْ يُرَاجِعْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى سَأَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ: وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، فَوَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ فَقَالَ: «لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ» .
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَائِنًا مَنْ كَانَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَؤُلَاءِ كُلُّ مَنْ كَانَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كُلُّ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ.
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ كُلُّ لَاحِقٍ لَحِقَ بِالَّذِينَ كَانُوا صَحِبُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِسْلَامِهِمْ مِنْ أَيِّ الْأَجْنَاسِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} كُلَّ لَاحِقٍ بِهِمْ مِنْ آخَرِينَ، وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْهُمْ نَوْعًا دُونَ نَوْعٍ، فَكُلُّ لَاحِقٍ بِهِمْ فَهُوَ مِنَ الْآخَرِينَ الَّذِي لَمْ يَكُونُوا فِي عِدَادِ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: {لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ}
يَقُولُ: لَمْ يَجِيئُوا بَعْدُ وَسَيَجِيئُونَ.
وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}
يَقُولُ: وَاللَّهُ الْعَزِيزُ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ مِنْهُمْ، الْحَكِيمُ فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ.
وَقَوْلُهُ: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيِهِ مَنْ يَشَاءُ}