نويا، وإن اختلف فلا بد من اعتبار النيتين أما نيتها فلأنه فوض إليها أو نيته؛ فلأن الزوج هو الأصل في إيقاع الطلاق فإذا تعارضا تساقطا فبقي أصل الطلاق، وهو الرجعي."وعندهما يتعلق الأصل أيضا"أي في أنت طالق كيف شئت يتعلق أصل الطلاق أي وقوع الطلاق أيضا بمشيئتها"فعندهما ما لا يقبل الإشارة"أي ما لا يكون من قبيل المحسوسات"فحاله وأصله سواء"أظن أن هذا مبني على امتناع قيام العرض بالعرض فإن العرض الأول ليس
خاصة لكن لا خفاء في أنها لم تبق في مثل أنت طالق كيف شئت على حقيقتها، وإلا لما كان الوصف مفوضا إلى مشيئتها بمنزلة ما إذا قال: أنت طالق أرجعيا تريدين أم بائنا؟ على قصد السؤال بل صارت مجازا، والمعنى أنت طالق بأية كيفية شئت فالظاهر من كلام المصنف رحمه الله تعالى أأنها في الأصل بمنزلة أي الاستفهامية لأنه معنى كيف شئت عند الاستفهام أي حال شئت فاستعيرت لأي الموصولة بجامع الإبهام عند معنى أنت طالق بأية كيفية شئتها من الكيفيات، وذكر بعضهم أنه سلب عنها معنى الاستفهام، واستعملت اسما للحال كما حكى قطرب عن بعض العرب انظر إلى فلان كيف يصنع، أي إلى حال صنعته، وعلى كلا الوجهين يكون كيف منصوبا بنزع الخافض.
قوله:"وأما العتق فلا كيفية له"لقائل أن يقول: إنه يكون معلقا ومنجزا على مال وبدونه على وجه التدبير وغير مطلق أو مقيد بما يأتي من الزمان، وكل هذه كيفيات، وقد قال في المبسوط في مسألة أنت حر كيف شئت: إنه يعتق عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ولا مشيئة له وعندهما لا يعتق ما لم يشأ في المجلس فعلم أن بطلان تعلق الكيفية بصدر الكلام إنما هو عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
قوله:"وتطلق في أنت طالق كيف شئت"أي يقع واحدة قبل المشيئة فإن كانت غير مدخولة بانت فلا مشيئة بعد، وإن كانت مدخولة فالكيفية مفوضة إليها في المجلس؛ لأن كلمة كيف إنما تدل على تفويض الأحوال والصفات دون الأصل ففي العتق وغير المدخولة لا مشيئة بعد وقوع الأصل فيلغو التفويض، وفي المدخولة يكون التفويض إليها بأن يجعلها بائنة أو ثلاثا، وصح هذا التفويض؛ لأن الطلاق قد يكون رجعيا فيصير بائنا بمضي العدة، وقد يكون واحدا فيصير ثلاثا بضم اثنين إليه، وحينئذ تصير الحرمة غليظة فلما احتمل ذلك في الجملة صار التفويض إلى مشيئتها، وأما تفويض الأصل في نحو طلقي نفسك كيف شئت فليس من كلمة كيف بل من لفظ طلقي، وكيف يفيد تفويض الأوصاف.
قوله:"وعندهما يتعلق الأصل، أيضا"بالمشيئة؛ لأنه فوض إليها كل حال حتى الرجعية فيلزم تفويض نفس الطلاق ضرورة أنه لا يكون بدون حال من الأحوال ووصف من الأوصاف كما قالوا في مثل قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} [البقرة:28] الآية: إنه إنكار لأصل الكفر بإنكار أحواله ضرورة أنه لا ينفك عن حال، وتحقيق كلامهما على ما ذكره القوم أن ما لا يكون محسوسا كالتصرفات الشرعية من الطلاق، والعتاق، والبيع، والنكاح، وغيرها فحاله وأصله سواء؛ لأن وجوده لما لم يكن محسوسا كان معرفة وجوده بآثاره وأوصافه، فافتقرت معرفة ثبوته إلى معرفة أثره ووصفه