فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 865

وحكم المتشابه التوقف عن طلب المراد مع اعتقاد حقيته بناء على قراءة الوقف على،: {إِلَّا اللَّهَ} الدالة على أن تأويل المتشابه لا يعلمه غير الله، ورجحها بوجهين على قراءة الوقف على {الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} الدالة على أنهم أيضا يعلمون تأويل المتشابه: الأول أنه أليق بالنظم؛ لأنه لما ذكر أن من القرآن متشابها جعل الناظرين فيه فرقتين، الزائغين عن الطريق، والراسخين في العلم، أي الثابتين المستقيمين الذين لا يتهيأ استزلالهم وتشكيكهم فجعل اتباع المتشابه حظ الزائغين لقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران:7] ، وجعل اعتقاد الحقية مع العجز عن الإدراك حظ الراسخين بقوله،: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عمران:7] ، أي نصدق بحقيته سواء علمناه أو لم نعلمه هو من عند الله، وفيه نظر لا يخفى على الراسخين في العربية أنه لو قصد ذلك لكان الأليق بالنظم أن يقال: وأما الراسخون في العلم. الثاني أنه على ذلك المذهب، أي مذهب القائلين بأن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه به عطفا للراسخين على الله وتركا للوقف على إلا الله يكون يقولون كلاما مبتدأ موضحا لحال الراسخين بحذف المبتدأ، أي هم يقولون، والحذف خلاف الأصل، وهكذا صرح جار الله في الكشاف، والمفصل بتقدير المبتدأ في جميع ما هو من هذا القبيل، وفيه نظر؛ لأن الجملة الفعلية صالحة للابتداء من غير احتياج إلى اعتبار حذف المبتدأ وأيضا يحتمل أن يكون يقولون حالا من المعطوف فقط أعني الراسخون لعدم الالتباس.

قوله:"فكما ابتلي"لما ذهب بعضهم إلى أن الراسخين يعلمون تأويل المتشابهة؛ لأن الخطاب بما لا يفهم، وإن جاز عقلا فهو بعيد جدا، وتخصيص الحال أعني يقولون بالمعطوف مع أن الأصل اشتراكها بين المعطوف والمعطوف عليه أهون من الخطاب بما لا يفيد أصلا، ولا تناقض في حصر الحكم على معطوف عليه ومعطوف بمعنى انفرادهما بذلك دون غيرهما مثل: ما جاءني إلا زيد وعمرو، أي لا بكر ولا خالد، أشار إلى الجواب بأن فائدة الخطاب بالمتشابه هي الابتلاء فإن الراسخ في العلم لا يمكن ابتلاؤه بالأمر بطلب العلم كمن له ضرب من الجهل؛ لأن العلم غاية متمناه فكيف يبتلى به، وإنما قال: ضرب من الجهل؛ لأنه لا تكليف للجاهل الذي لا يعلم شيئا، فللراسخ في العلم نوع من الابتلاء، ولمن له ضرب من الجهل نوع آخر، وابتلاء الراسخ أعظم النوعين بلوى؛ لأن البلوى في ترك المحبوب أكثر من البلوى في تحصيل غير المراد، وأعمها جدوى، أي نفعا؛ لأنه أشق فثوابه أكثر فإن قيل: ما من آية إلا، وقد تكلم العلماء في تأويلها من غير نكير من أحد، وهذا كالإجماع على عدم وجوب التوقف في المتشابه أجيب بأن التوقف مذهب السلف إلا أنه لما ظهر أهل البدع، وتمسكوا بالمتشابه في آرائهم الباطلة اضطر الخلف إلى التكلم في المتشابه إبطالا لأقاويلهم، وبيانا لفساد تأويلهم، وفيه نظر؛ لأن ذلك كان في القرن الأول والثاني حتى نقل تأويل المتشابهات عن الصحابة، والتابعين، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول: الراسخون في العلم يعلمون تأويل المتشابه، وأنا ممن يعلم تأويله. وقد يقال: إن التوقف إنما هو عن طلب العلم حقيقة لا ظاهرا، والأئمة إنما تكلموا في تأويله ظاهرا لا حقيقة، وبهذا يمكن أن يرفع نزاع الفريقين، والحق أن هذا لا يخص المتشابه بل أكثر القرآن من هذا القبيل؛ لأنه بحر لا تنقضي عجائبه، ولا تنتهي غرائبه فأنى للبشر الغوص على لآليه، والإحاطة بكنه ما فيه، ومن هاهنا قيل: هو معجز بحسب المعنى، أيضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت