معنى لنفي الخيرة، وإن أريد فعل المقضي عليه فالمراد إذا قضى بأمر فالأصل عدم تقدير الباء، وأيضا يكون المعنى إذا حكم بفعل لا تكون الخيرة، والحكم بفعل مطلقا لا يوجب نفي الخيرة إذ يمكن أن يكون الحكم بإباحة فعل أو ندبه، وإن أوجب ذلك فهو المدعي فعلم أن المراد بالأمر ما ذكرنا لا الفعل. و" {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [لأعراف:12] "فالذم على تركه يوجب الوجوب و" {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل:40] ، وهذا حقيقة لا مجاز عن سرعة الإيجاد"ذهب الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي رحمه الله إلى أن هذا مجاز عن سرعة الإيجاد والمراد التمثيل لا حقيقة القول، وذهب فخر الإسلام رحمه الله تعالى إلى أن حقيقة الكلام مرادة بأن أجرى الله تعالى سننه في تكوين الأشياء أن يكونها بهذه الكلمة لكن المراد هو الكلام النفسي المنزه عن الحروف والأصوات، وعلى المذهبين يكون الوجود مرادا من هذا الأمر أما على المذهب الثاني فظاهر، وأما على المذهب الأول فلأنه جعل الأمر قرينة
قوله:"وعند العامة"أي أكثر العلماء أن موجب الأمر واحد؛ لأن الغرض من وضع الكلام هو الإفهام، والاشتراك مخل به فلا يرتكب إلا عند قيام الدليل، وهذا ينفي القول باشتراكه لفظا بين الوجوب والندب على ما نقل عن الشافعي رحمه الله تعالى أو بينهما، وبين الإباحة أو بين الثلاثة وبين التهديد على ما ذهب إليه الشيعة، ونقل عن ابن سريج، ولا ينفي القول باشتراكه معنى بين الوجوب والندب؛ لأن موجبه واحد، وهو الطلب جازما كان أو راجحا، وقد يعبر عنه بترجيح الفعل، أو بين الوجوب أو الندب، والإباحة على ما ذهب إليه المرتضى من الشيعة فإن موجبه حينئذ، أيضا واحد، وهو الإذن في الفعل، ثم اختلف القائلون بأن موجبه واحد من هذه الأمور المذكورة في ذلك الواحد على ثلاثة مذاهب، فقال بعض أصحاب مالك: إنه الإباحة؛ لأنه لطلب وجود الفعل، وأدناه المتيقن إباحته، وقال أبو هاشم، وجماعة من الفقهاء، وعامة المعتزلة، وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله تعالى إنه الندب؛ لأنه لطلب الفعل فلا بد من رجحان جانبه على جانب الترك، وأدناه الندب لاستواء الطرفين في الإباحة، وكون المنع عن الترك أمرا زائدا على الرجحان.
وقال أكثر العلماء إنه الوجوب؛ لأنه كمال الطلب، والأصل في الأشياء الكمال؛ لأن الناقص ثابت من وجه دون وجه فمن جعله للإباحة أو الندب جعل النقصان أصلا والكمال عارضا، وهو قلب المعقول، ولما كان هذا إثباتا للغة بالترجيح أعرض عنه المصنف رحمه الله، وتمسك بالنص ودلالة الإجماع أما النص فآيات منها قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63] فإن تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية فخوفهم، وحذرهم من إصابة الفتنة في الدنيا أو العذاب في الآخرة يجب أن يكون بسبب مخالفتهم الأمر، وهي ترك المأمور به كما أن موافقته الإتيان به؛ لأنه المتبادر إلى الفهم لا عدم اعتقاد حقيته، ولا حمله على غير ما هو عليه بأن يكون للوجوب أو الندب مثلا فيحمل على غيره يقال: خالفني فلان عن كذا إذا أعرض عنه، وأنت قاصد إياه مقبل عليه فالمعنى يخالفون المؤمنين عن أمر الله أو أمر النبي صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون على تضمين المخالفة معنى الإعراض، أي يعرضون عن الأمر ولا يأتون بالمأمور به، فسوق الآية للتحذير عن مخالفة الأمر، وإنما يحسن ذلك إذا كان فيها خوف الفتنة أو