لأن معنى أقيموا الصلاة كونوا مقيمين للصلاة، وعلى هذا القياس إلا أن المراد في أمر التكوين هو الكون بمعنى الحدوث من كان التامة، وفي أمر التكليف هو الكون بمعنى وجود الشيء على صفة من كان الناقصة، وإذا كان كل أمر من الله تعالى طلبا للكون يجب تكون المطلوب، أي حدوث الشيء في أمر التكوين وحصول المأمور به في أمر التكليف، إلا أنه لو جعل الوجود والتكوين مرادا من جميع الأوامر حتى أمر التكليف لزم إعدام اختيار العبد في الإتيان بالفعل المكلف به بأن يحدث الفعل شاء أو لم يشأ كما في أمر الإيجاد، وحينئذ تبطل قاعدة التكليف إذ لا بد فيه أن يكون للمأمور به نوع اختيار، وإن كان ضروريا تابعا لمشيئة الله تعالى،: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الانسان:30] ، وإلا لصار ملحقا بالجمادات فلم يثبت كون الوجود مرادا في أمر التكليف بل نقل الشرع لزوم الوجود للأمر إلى لزوم الوجوب له؛ لأن الوجوب مفض إلى الوجود نظرا إلى العقل والديانة فصار لازم الأمر هو الوجوب بعدما كان لازمه الوجود.
حاصل ما ذكره فخر الإسلام رحمه الله تعالى أن اعتبار جانب الأمر يوجب وجود المأمور به حقيقة، واعتبار كون المأمور مخاطبا مكلفا يوجب التراخي إلى حين إيجاده فاعتبرنا المعنيين فأثبتنا بالأمر آكد ما يكون من وجوه الطلب وهو الوجوب خلفا من الوجود، وقلنا بتراخي الوجوب إلى حين اختياره فإن قلت فعلى هذا يكون الأمر حقيقة في طلب الوجود وإرادته مجازا في الإيجاب قلت: نعم بحسب اللغة لكنه حقيقة شرعية في الإيجاب إذ لا وجوب إلا بالشرع فإن قلت: الكلام في مدلول صيغة الأمر بحسب اللغة، وقد صرحوا بأنه الوجوب قلت: نعم بمعنى أنه لطلب وجود الفعل وإرادته مع المنع عن النقيض، وهو إيجاب وإلزام لكنه من العباد لا يستلزم الوجود لجواز تخلف مطالبهم عن الطلب فالأمر حقيقة لغوية في الإيجاب بمعنى الإلزام وطلب الفعل وإرادته جزما، وحقيقة شرعية في الإيجاب بمعنى الطلب والحكم باستحقاق تاركه الذم والعقاب لا بمعنى إرادة وجود الفعل، والأدلة يدل بعضها على الأول وبعضها على الثاني، ولقائل أن يقول: لا نسلم أن صيغة الأمر في اللغة لإرادة المأمور به بل لطلبه، وهو لا يستلزم الإرادة بل قد يكون معها فيحصل المأمور به في أوامر الله تعالى، وقد يكون بدونها فلا يحصل، ولا قائل بالفرق بين أوامر الله تعالى وأوامر العباد في نفس مدلول اللفظ، ولا بأن أوامر الشرع مجازات لغوية، وأيضا لو كان أمر كن لطلب وجود الحادث وإرادة تكونه من غير تخلف وتراخ وكان أزليا لزم قدم الحوادث، وأيضا إذا كان أزليا لم يصح ترتبه على تعلق الإرادة بوجود الشيء على ما تنبئ عنه الآية فالأولى أن الكلام مجاز وتمثيل لسرعة التكوين من غير قول وكلام، ومنها قوله تعالى: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه:93] ، أي تركت موجبه، دل على أن تارك المأمور به عاص، وكل عاص يلحقه الوعيد لقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن:23] ، أي ماكثا المكث الطويل، والوعيد على الترك دليل الوجود، ومنها قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} [المرسلات:48] ذمهم على مخالفة الأمر، وهو معنى الوجوب فإن قيل: من أين يعلم أن الوعيد والذم على ترك المأمور به، ولو سلم فمن أين يعلم الوجوب في مطلق الأمر قلنا من ترتب الوعيد والذم على نفس مخالفة الأمر المطلق. وأما دلالة الإجماع على أن موجب الأمر المطلق هو الوجوب فلاتفاق أهل العرف، واللغة على أن من يريد طلب الفعل مع المنع عن تركه يطلبه بمثل صيغة افعل فيدل على