فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 865

وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} [المرسلات:48] ، وللعرف فإن كل من يريد طلب الفعل جزما يطلب بهذا اللفظ.

المدعى، وهو أن الأمر بالشيء يقتضي نفي الخيرة للعباد ولزوم المتابعة والانقياد فظهر أن المراد من الأمر في قوله، من أمرهم هو القول المخصوص إما بمعنى المصدر أو نفس الصيغة سواء جعل أمرا نصبا على المصدر أو التمييز لما في الحكم من الإبهام أو الحال على أن المصدر بمعنى اسم الفاعل كما تقول جاءني زيد ركوبا فأعجبني ركوبه، ومنها قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} [لأعراف:12] أي ما منعك من السجود على زيادة لا أو ما دعاك إلى ترك السجود مجازا؛ لأن المانع من الشيء داع إلى نقيضه، والاستفهام للتوبيخ والإنكار والاعتراض وهو إنما يتوجه على تقدير كون الأمر للإيجاب ليستحق تاركه الذم، وإلا فله أن يقول: إنك ما ألزمتني السجود فعلام اللوم والإنكار والتوبيخ فإن قلت هذا لا يدل إلا على كون الأمر بالسجود للوجوب، ولا نزاع لأحد في استعمال الأمر لذلك، وإنما النزاع في كونه حقيقة له، وخاصا به.

قلت: إطلاق قوله: {اسْجُدُوا لِآدَمَ} [البقرة:34] من غير قرينة مع قوله: {إِذْ أَمَرْتُكَ} [لأعراف:12] دون أن يقول: إذ أمرتك أمرا يجاب وإلزام دليل على أن الأمر المطلق للوجوب، وهو المدعي"إذ"لا نزاع في أن المقيد بالقرينة يستعمل في غير الإيجاب مجازا، ومنها قوله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل:40] ذهب أكثر المفسرين: إلى أن هذا الكلام مجاز عن سرعة الإيجاد وسهولته على الله تعالى، وكمال قدرته، تمثيلا للغائب أعني تأثير قدرته في المراد بالشاهد أعني أمر المطاع للمطيع في حصول المأمور به من غير امتناع وتوقف ولا افتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة، وليس هاهنا قول ولا كلام وإنما وجود الأشياء بالخلق والتكوين مقرونا بالعلم والقدرة والإرادة، وذهب بعضهم إلى أنه حقيقة وأن الله تعالى قد أجرى سننه في تكوين الأشياء أن يكونها بهذه الكلمة، وإن لم يمتنع تكوينها بغيرها، والمعنى نقول له: احدث فيحدث عقيب هذا القول لكن المراد الكلام الأزلي القائم بذات الله تعالى لا الكلام اللفظي المركب من الأصوات والحروف؛ لأنه حادث فيحتاج إلى خطاب آخر، ويتسلسل، ولأنه يستحيل قيام الصوت والحرف بذات الله تعالى، ولما لم يتوقف خطاب التكوين على الفهم، واشتمل على أعظم الفوائد، وهو الوجود جاز تعلقه بالمعدوم بل خطاب التكليف أيضا أزلي فلا بد أن يتعلق بالمعدوم على معنى أن الشخص الذي سيوجد مأمور بذلك، وبعضهم على أن الكلام في الأزل لا يسمى خطابا حتى يحتاج إلى مخاطب، وعلى المذهبين، أي سواء كان قوله تعالى: {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة:117] مجازا أو حقيقة يكون الوجود والحدوث مرادا من هذا الأمر أعني كن.

أما على الثاني فظاهر؛ لأن معنى نقول: حدث فيحدث، أي كلما وجد الأمر بالوجود تحقق الوجود عقيبه، وأما على الأول فلأنه جعل الأمر قرينة الإيجاد، ومثل سرعة الإيجاد بالتكلم بهذه الكلمة وترتب وجود المأمور به عليها فلو لم يكن الوجود مقصودا بأمر كن لما صح هذا التمثيل لعدم الجامع، فسواء جعلنا هذا الكلام حقيقة أو مجازا يجب أن يكون الوجود مرادا بأمر كن"و"كما يكون الوجود مرادا بأمر كن يكون مرادا بجميع أوامر الله تعالى؛ لأنها كلها من قبيل أمر كن؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت