فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 865

الفاعل لم يبقيا كذلك. واعلم أن المتكلمين أوردوا لتجويز ترجيح المختار أحد المتساويين المثال المشهور، وهو الهارب من السبع إذا رأى طريقين متساويين فقال الحكماء القضية البديهية التي لولاها لانسد باب العلم بالصانع هو أن الرجحان بلا مرجح باطل ولا تبطل بإيراد مثال لا يدل على عدم المرجح بل غايته عدم العلم بالمرجح، فأقول: القضية التي تستعمل في إثبات العلم بالصانع هي أن رجحان أحد طرفي الممكن بلا مرجح محال بمعنى أن وجوده بلا موجد محال مع أنه يمكن إثبات هذا المطلوب مع الغنية عن هذه القضية بأن نقول: الموجود إما أن لا يحتاج في وجوده إلى غيره أو يحتاج، ولا بد من الأول قطعا للتسلسل، ثم على تقدير تسليم تلك القضية، وبداهتها الفاعل هو المرجح فلا يلزم وجود الممكن بلا موجد وأيضا، إنما أوردوا المثال سندا للمنع فعليكم البرهان على الرجحان في المثال المذكور على أنا نقول:

إن وجب المرجوح في المثال المذكور فإما أن يجب بحسب نفس الأمر، وهذا باطل؛ لأن

الأصل السابق أعني عدم علة الوجود فإنه علة للعدم فإيجاد الممكن يكون ترجيحا للمساوي نظرا إلى الذات، وللمرجوح نظرا إلى العلة. الثالث: أن الإرادة صفة من شأنها أن يرجح الفاعل بها أحد المتساويين على الآخر أو المرجوح على الراجح فالإيجاب بالاختيار قد يكون ترجيحا لذلك فإن قيل: اختيار المختار أحد المتساويين ترجيح من غير مرجح، قلنا: الإرادة، والاختيار لا يعلل بأنه لم اختار هذا دون ذاك؛ لأن الترجيح صفة ذاتية لها كما أن الإيجاب بالذات لا يعلل بأن الموجب لم أوجب هذا دون ذاك؛ فإن قيل الترجيح يستلزم الرجحان ضرورة فترجيح المساوي أو المرجوح يوجب رجحانه، وهو ممتنع بالضرورة. قلنا الممتنع هو رجحان المساوي أو المرجوح ما دام المساوي مساويا، والمرجوح مرجوحا ضرورة امتناع اجتماع النقيضين أعني الرجحان، وعدمه، وعند ترجيح الفاعل إياهما لم يبقيا مساويا، ومرجوحا؛ لأن معنى الترجيح إثبات الرجحان، وجعل الشيء راجحا، وإخراجه عن حد التساوي فضلا عن المرجوحية.

قوله:"وهو"أي القضية البديهية، وتذكير الضمير باعتبار الخبر، وهو أن الرجحان بلا مرجح باطل، والعلم بوجود الواجب مبني على هذه المقدمة إذ العمدة فيه أنه لا شك في وجود موجود فإن كان واجبا فهو المطلوب، وإن كان ممكنا فلا بد له من موجد ضرورة امتناع ترجح أحد طرفي الممكن بلا مرجح فينقل الكلام إلى موجده فإما أن يتسلسل، وهو محال أو ينتهي إلى الواجب، وهو المطلوب، وبهذا يظهر صحة ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من أن هذا الاستدلال إنما يبتنى على بطلان وجود الممكن بلا موجد لا على بطلان ترجيح الفاعل أحد المتساويين باختياره فإن قيل تعلق الإرادة بوجود الممكن أمر ممكن فيفتقر إلى موجد، ويتسلسل أو يلزم وجوده بلا موجد، قلنا إرادة الإرادة عينها أو الإرادة ترجح لذاتها أو تعلق الإرادة ليس بموجود بل حال فلا يلزم وجود الممكن بلا موجد. واعلم أن نزاع الحكماء إنما هو في ترجيح أحد المتساويين من غير مرجح لا في ترجيح المختار أحد المتساويين وجعله راجحا بالإرادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت