بالترك لا قبله حتى إذا مات في الوقت لا شيء عليه، ومن حكم هذا القسم أن الوقت لما لم يكن متعينا شرعا، والاختيار في الأداء إلى العبد لم يتعين بتعيينه نصا إذ ليس له، وضع الشرائع، وإنما له الارتفاق فعلا فيتعين فعلا كالخيار في الكفارات، ومنه أنه لما كان الوقت متسعا شرع فيه غير هذا الواجب فلا بد من تعيين النية، ولا يسقط التعيين إذا ضاق الوقت بحيث لا يسع إلا لهذا الواجب لأن ما ثبت حكما أصليا بناء على سعة الوقت لا يسقط بالعواض وتقصير العباد.
ـــــــ
الحادث قلنا الإيجاب قديم وهو حكمه تعالى في الأزل أنه إذا بلغ زيد يجب عليه ذا وأثره وهو الحكم المصطلح"أي الوجوب"حادث، فإنه مضاف إلى الحادث فلا يوجد قبله.
"ثم هو"أي الوقت لما بين أن الوقت سبب للوجوب أراد أن يبين أن المراد بالوجوب نفس الوجوب لا وجوب الأداء."سبب لنفس الوجوب؛ لأن سببها الحقيقي الإيجاب القديم وهو رتب الحكم على شيء ظاهر فكان هذا"أي الشيء الظاهر، وهو الوقت"سببا لها"أي لنفس الوجوب"بالنسبة إلينا، ثم لفظ الأمر لمطالبة ما وجب بالإيجاب المرتب الحكم على"
لجواز أن يثبت بأسباب شتى فبطلان التقديم لا يصلح أمارة على السببية، وقد يقال إن احتمال الشرطية قائم إلا أن الأدلة السابقة ترجح جانب السببية كالمشترك يصلح دليلا على أحد مدلوليه بمعونة القرينة.
قوله:"ثم هو سبب لنفس الوجوب"يريد أن هاهنا وجوبا ووجوب أداء ووجود أداء ولكل منها سبب حقيقي وسبب ظاهري فالوجوب سببه الحقيقي هو الإيجاب القديم، وسببه الظاهري هو الوقت، ووجوب الأداء سببه الحقيقي تعلق الطلب بالفعل وسببه الظاهري اللفظ الدال على ذلك، ووجود الأداء سببه الحقيقي خلق الله تعالى وإرادته وسببه الظاهري واستطاعة العبد أي قدرته المؤثرة المستجمعة لجميع شرائط التأثير فهي لا تكون إلا مع الفعل بالزمان، وهذا معنى قول فخر الإسلام رحمه الله تعالى، ولهذا أي ولكون الوجوب جبرا من الله تعالى بالإيجاب لا بالخطاب كانت الاستطاعة مقارنة للفعل، إذ لو كانت قبله لكانت إما مع الوجوب وهو جبر لا اختيار فيه، أو مع وجوب الأداء، وقد عرفت أن المعتبر فيه صحة الأسباب وسلامة الآلات فتعين أن يكون مع الفعل، وقد صرح بذلك في بعض تصانيفه حيث قال إن السبب موجب، وهو جبري لا يعتمد القدرة، ولذلك لم يشترط القدرة سابقة على الفعل؛ لأن ما قبله نفس الوجوب وهو جبر وجوب الأداء، وأنه لا يعتمد القدرة الحقيقية، أما فعل الأداء فيعتمد القدرة فلذلك كانت الاستطاعة مع الفعل.
قوله:"والفرق بين نفس الوجوب ووجوب الأداء"اعلم أن الوجوب في عرف الفقهاء على اختلاف عبارتهم في تفسيره يرجع إلى كون الفعل بحيث يستحق تاركه الذم في العاجل والعقاب في الآجل، فمن هاهنا ذهب جمهور الشافعية إلى أنه لا معنى له إلا لزوم الإتيان بالفعل وأنه لا معنى