ونحوهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين وحديثه يقبل وافق القياس أو خالفه وحكي عن مالك أن القياس مقدم عليه ورد بأنه يقين بأصله, وإنما الشبهة في نقله, وفي القياس العلة محتملة, وهي الأصل, وأيضا إذا ثبت أن هذا علة قطعا لكن يمكن أن يكون في الفرع مانع أو لخصوصية الأصل أثر, أو بالرواية فقط كأبي هريرة, وأنس رضي الله تعالى عنهما فإن وافق القياس قبل, وكذا إن خالف قياسا ووافق قياسا آخر لكنه إن خالف جميع الأقيسة لا يقبل
{كُلِّ فِرْقَةٍ} , وإن كان عاما إلا أنه خص بالإجماع على عدم خروج واحد من كل ثلاثة, وأما السنة فلأنه عليه الصلاة والسلام قبل خبر بريرة في الهدايا وخبر سلمان في الهدية والصدقة حين أتي بطبق رطب فقال هذا صدقة فلم يأكل منه وأمر أصحابه بالأكل, ثم أتي بطبق رطب وقال هذا هدية فأكل, وأمر أصحابه بالأكل ولأنه عليه الصلاة والسلام كان يرسل الأفراد من أصحابه إلى الآفاق لتبليغ الأحكام, وإيجاب قبولها على الأنام, وهذا أولى من الأول لجواز أن يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم علم بصدقهما على أنه إنما يدل على القبول دون الوجوب. فإن قيل هذه أخبار آحاد فكيف يثبت بها كون خبر الواحد حجة, وهو مصادرة على المطلوب؟ قلنا: تفاصيل ذلك وإن كانت آحادا إلا أن جملتها بلغت حد التواتر كشجاعة علي وجود حاتم, وإن لم يلزم التواتر فلا أقل من الشهرة وربما يستدل بالإجماع, وهو أنه نقل من الصحابة وغيرهم الاستدلال بخبر الواحد, وعملهم به في الوقائع المختلفة التي لا تكاد تحصى, وتكرر ذلك وشاع من غير نكير. وذلك يوجب العلم عادة بإجماعهم كالقول الصريح, وقد دل سياق الأخبار على أن العمل في تلك الوقائع كان بنفس خبر الواحد وما نقل من إنكارهم بعض أخبار الآحاد إنما كان عند قصور في إفادة الظن ووقوع ريبة في الصدق.
قوله:"والإخبار في أحكام الآخرة ولأنه يحتمل"دليلان مستقلان على كون خبر الواحد موجبا للعلم تقرير الأول أن خبر الواحد في أحكام الآخرة من عذاب القبر وتفاصيل الحشر والصراط والحساب والعقاب وغير ذلك مقبول بالإجماع مع أنه لا يفيد إلا الاعتقاد إذ لا يثبت به عمل من الفروع. وتقرير الثاني أن خبر الواحد يحتمل الصدق والكذب وبالعدالة ترجح جانب الصدق بحيث لا يبقى احتمال الكذب, وهو معنى العلم وجوابه أنا لا نسلم ترجح جانب الصدق إلى حيث لا يحتمل الكذب أصلا بل العقل شاهد بأن خبر الواحد العدل لا يوجب اليقين, وأن احتمال الكذب قائم, وإن كان مرجوحا وإلا لزم القطع بالنقيضين عند إخبار العدلين بهما. وجواب الأول وجهان أحدهما أن الأحاديث في باب الآخرة منها ما اشتهر فيوجب علم الطمأنينة, ومنها ما هو خبر الواحد فيفيد الظن وذلك في التفاصيل والفروع, ومنها ما تواتر واعتضد بالكتاب وهو في الجمل والأصول فيفيد القطع. وثانيهما: أن المقصود من أحكام الآخرة عقد القلب, وهو عمل فيكفيه خبر الواحد واعترض عليه بأنه يلزم عقد القلب في غير أحكام الآخرة, وهو معنى العلم, وقد بين فساده وجوابه أن الأحاديث في أحكام الآخرة إنما وردت لعقد القلب والجزم بالحكم, وفي غيرها للعمل دون الاعتقاد فوجب الإتيان بما كلفنا به في كل منهما.
قوله:"فصل"حاصله أن الراوي إما معروف بالرواية أو مجهول أما المعروف فإن كان معروفا بالفقه يقبل سواء وافق القياس أم لا, وإلا فإما أن يوافق قياسا ما فيقبل أو لا فيرد, وأما المجهول فإما أن يظهر حديثه في القرن الثاني أو لا فإن لم يظهر يجوز العمل به في القرن الثالث لا