بالفقه والاجتهاد كالخلفاء الراشدين والعبادلة وزيد ومعاذ وأبي موسى الأشعري وعائشة ونحوهم رضي الله تعالى عنهم وقد روى عنه الثقات كابن مسعود وعلقمة
ـــــــ
{فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} الطائفة تقع على الواحد فصاعدا والرسول عليه السلام قبل خبر بريرة وسلمان في الهدية والصدقة وأرسل الأفراد إلى الآفاق والأخبار في أحكام الآخرة لا توجب إلا الاعتقاد, وهي مقبولة; ولأنه يحتمل الصدق والكذب وبالعدالة يترجح الصدق, ولنا هذه الدلائل لكن لا نسلم أنه لا عمل إلا عن علم قطعي, والعقل يشهد أنه لا يوجب اليقين. والأحاديث في أحكام الآخرة منها ما اشتهر, ومنها ما دون ذلك وكل ذلك يوجب ما ذكرنا; ولأنها توجب عقد القلب, وهو عمل فيكفي له خبر الواحد, وفي هذا نظر; لأنه يجب أن لا يختص هذا بأحكام الآخرة بل يكون كل الاعتقاديات كذلك.
[فصل] الراوي إما معروف بالرواية وإما مجهول أي: لم يعرف إلا بحديث أو حديثين, والمعروف إما أن يكون معروفا بالفقه والاجتهاد كالخلفاء الراشدين والعبادلة"أي: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر"وزيد, ومعاذ وأبي موسى الأشعري وعائشة
وتدوينها في الكتب, وفي كلامه إشارة إلى أن خبر الواحد إذا لم يكن راويه الأول متنزها عن وصمة الكذب لا يفيد علم الطمأنينة, وإن دخل بعد ذلك في حد التواتر كما يشتهر من الأخبار الكاذبة في البلاد.
قوله:"والثالث, وهو خبر الواحد"يوجب العمل دون علم اليقين وقيل لا يوجب شيئا منهما وقيل يوجبهما جميعا ووجه ذلك أن الجمهور ذهبوا إلى أنه يوجب العمل دون العلم وقد دل ظاهر قوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} [النجم: 23] على استلزام العمل العلم فذهب طائفة إلى أنه يوجب العمل أيضا احتجاجا بنفي اللازم, وهو علم على نفي الملزوم وطائفة إلى أنه يوجب العلم أيضا احتجاجا بوجود الملزوم على وجود اللازم والمصنف رحمه الله تعالى منع اللزوم من غير تعرض لدفع الدليل وظاهره غير موجه إلا أنه اعتمد على ظهوره. وهو أن اتباع الظن قد ثبت بالأدلة, ولا عموم للآيتين في الأشخاص والأزمان على أن العلم قد يستعمل في الإدراك جازما ما كان أو غير جازم, والظن قد يكون بمعنى الوهم واستدل على كون خبر الواحد موجبا للعمل بالكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ} [النوبة: 122] الآية, وذلك أن لولا ههنا للطلب والإيجاب لامتناع الترجي على الله تعالى والطائفة بعض من الفرقة واحد أو اثنان إذ الفرقة هي الثلاثة فصاعدا وبالجملة لا يلزم أن يبلغ حد التواتر فدل على أن قول الآحاد يوجب الحذر, وقد يجاب بأن المراد الفتوى في الفروع بقرينة التفقه ويلزم تخصيص القوم بغير المجتهدين بقرينة أن المجتهد لا يلزمه وجوب الحذر بخبر الواحد; لأنه ظني, وللاجتهاد فيه مساغ ومحال; على أن كون لولا للإيجاب والطلب محل نظر ثم قوله تعالى: