ذلك لأنه وإن كان في الأصل خبر واحد لكن أصحاب الرسول عليه السلام تنزهوا عن وصمة ثم ذلك دخل في حد التواتر فأوجب ما ذكرنا. والثالث يوجب غلبة الظن إذا اجتمع الشرائط التي نذكرها إن شاء الله تعالى يكون معروفًا
ـــــــ
"ذلك"أي: علم طمأنينة القلب لأنه, وإن كان في الأصل خبر واحد, لكن أصحاب الرسول عليه السلام تنزهوا عن وصمة الكذب. ثم بعد ذلك دخل في حد التواتر فأوجب ما ذكرنا, والثالث يوجب غلبة الظن إذا اجتمع الشرائط التي نذكرها إن شاء الله تعالى وهي كافية لوجوب العمل, وعند البعض لا يوجب شيئا; لأنه لا يوجب العلم, ولا عمل إلا عن علم لقوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} وعند بعض أهل الحديث يوجب العلم; لأنه يوجب العمل, ولا عمل إلا عن علم فأما إيجابه العمل فلقوله تعالى:
وجود إسكندر وكون الواحد نصف الاثنين نجد الثاني أقوى بالضرورة فلو كانا ضروريين لما كان بينهما فرق, وأيضا الضروري يستلزم الوفاق, وهو منتف في المتواتر لمخالفة السمنية والبراهمة. وأجيب إجمالا بأنه تشكيك في الضروري فلا يستحق الجواب كشبه السوفسطائية وتفصيلا بأن حكم الجملة قد يخالف حكم الآحاد كالعسكر الذي يفتح البلاد, وتواتر النقيضين محال عادة, ولا امتناع في اختلاف أنواع الضروري بحسب السرعة والوضوح بواسطة الإلف والعادة وكثرة الممارسة والأخطار بالبال, ونحو ذلك مع الاشتراك في عدم احتمال النقيض, والضروري لا يستلزم الوفاق لجواز المكابرة والعناد كما للسوفسطائية.
قوله:"والثاني"أي: المشهور يفيد علم طمأنينة, والطمأنينة زيادة توطين وتسكين يحصل للنفس على ما أدركته فإن كان المدرك يقينيا فاطمئنانها زيادة اليقين وكماله كما يحصل للمتيقن بوجود مكة بعد ما يشاهدها, وإليه الإشارة بقوله تعالى حكاية: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} , وإن كان ظنيا فاطمئنانها رجحان جانب الظن بحيث يكاد يدخل في حد اليقين, وهو المراد هاهنا وحاصله سكون النفس عن الاضطراب بشبهة إلا عنه ملاحظة كونه آحاد الأصل, فالمتواتر لا شبهة في اتصاله صورة, ولا معنى, وخبر الواحد في اتصاله شبهة صورة, وهو ظاهر ومعنى حيث لا تتلقاه الأمة بالقبول والمشهور في اتصاله شبهة صورة لكونه آحاد الأصل لا معنى; لأن الأمة قد تلقته بالقبول فأفاد حكما دون اليقين وفوق أصل الظن فإن قيل هو في الأصل خبر واحد ولم ينضم إليه في الاتصال بالنبي صلى الله عليه وسلم ما يزيد على الظن, فيجب أن يكون بمنزلة خبر الواحد قلنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تنزهوا عن وصمة الكذب أي: الغالب الراجح من حالهم الصدق فيحصل الظن بمجرد أصل النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يحصل زيادة رجحان بدخوله في حد التواتر وتلقيه من الأمة بالقبول فيوجب علم طمأنينة, وليس المراد بتنزههم عن وصمة الكذب أن نقلهم صادق قطعا بحيث لا يحتمل الكذب, وإلا لكان المشهور موجبا علم اليقين; لأن القرن الثاني والثالث, وإن لم يتنزها عن الكذب إلا أنه دخل في حد التواتر.
وأما بعد القرون الثلاثة فأكثر أخبار الآحاد نقلت بطريق التواتر لتوفر الدواعي على نقل الأحاديث