خاطر الملك والثالث ما تبدي لقلبه بلا شبهة بإلهام الله تعالى إياه بأن أراه بنور من عنده كما قال الله تعالى: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} وكل ذلك حجة مطلقًا بخلاف الإلهام للأولياء فإنه لا يكون حجة على غيره وأما الباطن فما ينال بالرأي والاجتهاد وفيه خلاف فعند البعض حظه الوحي الظاهر لا غير وإنما الرأي وهو المحتمل للخطأ يكون لغيره لعجزه عن الأول لقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:4] وعند البعض له العمل بهما. والمختار عندنا أنه مأمور بانتظام الوحي ثم العمل بالرأي بعد انقضاء مدة الانتظار لعموم {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}
ـــــــ
بالرأي بعد انقضاء مدة الانتظار لعموم {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} ولحكم داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام بالرأي في نفش غنم القوم"يقال: نفشت الغنم والإبل نفوشا أي: رعت ليلا بلا راع روي أن غنم قوم وقعت ليلا في زرع جماعة فأفسدته فتخاصموا عند داود عليه الصلاة والسلام فحكم داود بالغنم لصاحب الحرث فقال سليمان عليه الصلاة والسلام, وهو ابن إحدى عشرة سنة غير هذا أرفق بالفريقين فقال أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها, وأولادها, وأصوافها, والحرث إلى أرباب الشاة يقومون عليه حتى يعود كهيئته يوم أفسدته ثم يترادون فقال داود عليه الصلاة والسلام القضاء ما قضيت, وأمضى الحكم بذلك. أما وجه حكومة داود عليه الصلاة والسلام أن"
وأشار إلى الجواب بأن اجتهاده لا يحتمل القرار على الخطأ فتقريره على مجتهده قاطع للاحتمال كالإجماع الذي سنده الاجتهاد. وبهذا يخرج الجواب عن استدلالهم الآخر, وهو أنه لو جاز له الاجتهاد لجاز مخالفته; لأن جواز المخالفة من لوازم أحكام الاجتهاد; لعدم القطع بأنه حكم الله تعالى واللازم باطل بالإجماع, وقد يستدل بأنه لو جاز له الاجتهاد لما توقف في جواب سؤال بل اجتهد وبين ما يجب عليه من الجواب فأشار في تقرير القول المختار إلى جوابه, وهو أنه مأمور بالانتظار فهو شرط لاجتهاده على أن نفس الاجتهاد أيضا يقتضي زمانا.
واستدل على المختار بخمسة أوجه: الأول وجوب الاجتهاد عليه; لعموم قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} . الثاني وقوعه من غيره من الأنبياء كداود عليه الصلاة والسلام وسليمان عليه الصلاة والسلام, ولا قائل بالفرق الثالث. وقوعه منه عليه الصلاة والسلام في قصة الخثعمية وجواز قبلة الصائم الرابع: أنه عالم بعلل النصوص وكل من هو عالم بها يلزمه العمل في صورة الفرع الذي يوجد فيه العلة وذلك بالاجتهاد. الخامس: أنه عليه الصلاة والسلام شاور أصحابه في كثير من الأمور المتعلقة بالحروب وغيرها, ولا يكون ذلك إلا لتقريب الوجوه ولتخيير الرأي إذ لو كان لتطييب قلوبهم فإن لم يعمل برأيهم كان ذلك إيذاء واستهزاء لا تطييبا وإن عمل, فلا شك أن رأيه أقوى, وإذا جاز له العمل برأيهم عند عدم النص فبرأيه أولى; لأنه أقوى.