فهرس الكتاب

الصفحة 469 من 865

جواز قصر العام على بعض ما يتناوله بكلام متراخ عنه, وإنما الخلاف في أنه تخصيص حتى يصير العام في الباقي ظنيا أو نسخ حتى يبقى قطعيا بناء على أن دليل النسخ لا يقبل التعليل, وقد نبهت على أن اشتراط الاستقلال, والمقارنة في التخصيص مجرد اصطلاح مع أن العمدة في التخصيص عند الجمهور إنما هي الاستثناء, والشرط, والصفة, والغاية, ويدل البعض على أنه لا يستمر لهم الجري على هذا الاصطلاح لتصريحهم بأن العام إذا خص منه البعض صار ظنيا يجوز تخصيصه بخبر الواحد, والقياس, ولا يخفى أن التخصيص بكلام مستقل مقارن في غاية الندرة ثم الخلاف في جواز التراخي جار في كل ظاهر يستعمل في خلافه كالمطلق في المقيد, والنكرة في المعين ولهذا صح استدلال الشافعية بقصة البقرة, وإلا فلفظ بقرة نكرة في الإثبات, فلا يكون من العموم في شيء. وجه الاستدلال أنهم أمروا بذبح بقرة معينة مع أن اللفظ مطلق ورد بيانه متراخيا, وإنما قلنا إنهم أمروا بذبح بقرة معينة; لأن الضمير في قوله تعالى: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} للبقرة المأمور بذبحها وللقطع بأنهم لم يؤمروا ثانيا بمتجدد وبأن الامتثال إنما حصل بذبح البقرة المعينة, والجواب منع ذلك بل المأمور بذبحها كانت بقرة مطلقة على ما هو ظاهر اللفظ, ولذا قال ابن عباس, وهو رئيس المفسرين لو ذبحوا أدنى بقرة لأجزأتهم, ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله تعالى عليهم. وقد دل قوله تعالى: {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} على أنهم كانوا قادرين على الفعل, وأن السؤال عن التعيين كان تعنتا وتعللا ثم نسخ الأمر بالمطلق, وأمر بالمعين, واعترض بأنه يؤدي إلى النسخ قبل الاعتقاد, والتمكن من العمل جميعا إذ لم يحصل لهم العلم بالواجب قبل السؤال والبيان, والجواب أنهم علموا أن الواجب بقرة مطلقة, وإطلاق اللفظ كاف في العلم بذلك, والتردد إنما وقع في التفصيل والتعيين.

قوله:"في قوله تعالى لنوح عليه السلام: {فَاسْلُكْ} أي: أدخل في السفينة من كل جنس من الحيوان ذكرا وأنثى, وأدخل فيها نساءك, وأولادك ثم خص ابنه بقوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] ."

قوله:"لأن ما لغير العقلاء"فذهب البعض وجمهور أئمة اللغة على أنها تعم العقلاء وغيرهم فإن قيل لو كان ما لغير العقلاء لما أورد ابن الزبعرى هذا السؤال, وهو من الفصحاء العارفين باللغة ولما سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن تخطئته فالجواب أنه إنما أورده تعنتا بطريق المجاز أو التغليب فإن أكثر معبوداتهم الباطلة من غير ذوي العقول فغلب جانب الكثرة, ولا يخفى أن التغليب أيضا نوع من المجاز. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:"ما أجهلك بلغة قومك أما علمت أن ما لما لا يعقل"فعلى هذا يكون قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ} لدفع احتمال المجاز لا لتخصيص العام.

قوله:"وأصحابنا قالوا"إن الخلاف مبني على أن التخصيص بالمستقل بيان تغيير عندنا وبيان تفسير عند الشافعي رحمه الله تعالى ثم رد ذلك بأنه لا فرق عند الشافعي رحمه الله تعالى بين التخصيص بالمستقل وبين الاستثناء في أن كلا منهما بيان تفسير, وإنما افترقا في جواز التراخي بناء على الاستقلال, وعدمه, وأقوال المحققين من أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى على أن الاستثناء بيان تغيير بخلاف التخصيص المستقل وغيره من المخصصات وذلك; لأن المراد في الاستثناء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت