الاستثناء بالغاية, ويقولون: إن حكم ما بعد الغاية يخالف حكم ما قبل الغاية, وليس مذهبهم هو الأول; لأن على الأول النفي والإثبات بطريق المنطوق لا بطريق الإشارة. فعلم أن مذهبهم في الاستثناء الغير العددي هو الثاني بحكم العرف"وهذا مناسبا لما قال علماء البيان: إن الاستثناء وضع لنفي التشريك, والتخصيص يفهم منه, ولما قال أهل اللغة: إنه إخراج وتكلم بالباقي, ومن النفي إثبات وبالعكس فيكون إخراجا من الأفراد وتكلما بالباقي في حق الحكم ونفيا, وإثباتا بالإشارة, وفي العددي ذهبوا إلى الأخير حتى قالوا في إن كان لي إلا مائة فكذا ولم يملك إلا خمسين لا يحنث"فعلى المذهب الثالث هو كقوله: إن كان لي فوق المائة, فلا يشترط وجود المائة."ولو قال ليس له علي عشرة إلا ثلاثة لا يلزمه شيء فكأنه قال ليس له علي سبعة".
الرابع: أن أهل اللغة أجمعوا على أن الاستثناء إخراج بعض من كل, وعلى تقدير أن يكون عشرة إلا ثلاثة اسما للسبعة لا يتحقق هذا المعنى فأشار المصنف رحمه الله تعالى إلى منع الوجه الثاني ونقضه وحله على وجه يندفع به الوجوه الأربعة أما المنع فهو أنا لا نسلم أنه لم يعهد في لغة العرب لفظ مركب من أكثر من كلمتين فإن كثيرا من الأعلام كذلك مثل شاب قرناها وبرق نحره, وأمثال ذلك. وأما النقض فهو أن مثل أبي عبد الله علم مركب من ثلاث كلمات مع أن الإعراب في وسطه بدليل قولنا جاءني أبو عبد الله ورأيت أبا عبد الله ومررت بأبي عبد الله, وأما الحل فهو أنه إن أريد أنه ليس في لغة العرب تركب الموضوع الشخصي من أكثر من كلمتين فمسلم لكن القائلين بأن المستثنى منه, والمستثنى, وأداة الاستثناء عبارة عن الباقي لم يريدوا أنه موضوع له بالشخص بمنزلة بعلبك ومعدي كرب بل أرادوا أنه موضوع له بالنوع بمعنى أنه ثبت من الواضع أنه إذا ذكر ذلك فهم منه الباقي كما ثبت منه أنه إذا غير صيغة فعل بالفتح إلى فعل بضم الفاء وكسر العين يفهم منها معنى المبني للمفعول, وإذا ركب زيد مع قائم وجعلا مرفوعين فهم منه الحكم بثبوت القيام لزيد إلى غير ذلك من القواعد الصرفية, والنحوية فإنها أوضاع كلية. وإن أريد أنه ليس في اللغة تركب الموضوع النوعي من أكثر من كلمتين فظاهر الفساد فإن جميع المركبات موضوعة بالنوع سواء تركب من كلمتين أو أكثر مثل قولنا حيوان ذو نطق, وقولنا جسم نام حساس متحرك بالإرادة ونطق فإنه موضوع للإنسان بالنوع على معنى أنه ثبت من الواضع أنه إذا ذكر اسم جنس ووصف بما يخص بعض أنواعه فهم منه ذلك النوع فالموضوع النوعي كثيرا ما يتركب من أكثر من كلمتين, ويكون الإعراب في وسطه كما ترى, ويكون لأجزائه دلالة على معانيها الإفرادية; لأنها كلمات, ولا يصير المجموع كلمة واحدة حتى يكون كل من المفردات جزءا من الكلمة فيمتنع عود الضمير إليه بل يكون عود الضمير إلى المستثنى منه بمنزلة عوده إلى المبتدأ في مثل زيد أبوه قائم مع أنه جزء من المركب الموضوع بالنوع. وهذا المعنى لا ينافي في الإخراج المجمع عليه; لأنه مما يفيده أداة الاستثناء, والمعاني الإفرادية ليست مهجورة في الموضوعات النوعية.
وأقول: أما المنع فجوابه الاستقراء ونقل أئمة اللغة, وأما النقض بمثل شاب قرناها فمدفوع