البيان إن الاستثناء وضع لنفي الشريك والتخصيص يفهم منه ولما قال أهل اللغة إنه إخراج وتكلم بالباقي ومن النفي إثبات وبالعكس فيكون إخراجًا من الأفراد وتكلمًا بالباقي في حق الحكم وإثباتًا بالإشارة وفي العددي ذهبوا إلى الأخير حتى قالوا في إن لي إلا مائة ولم يملك إلا خمسين لا يحنث ولو قال ليس له علي عشرة إلا ثلاثة لا يلزمه فكأنه قال ليس له علي سبعة.
ـــــــ
إلى الثاني بحكم العرف"أي: إلى المذهب الثاني, وهو أنه إخراج قبل الحكم ثم حكم على الباقي."وقد فهم هذا من قولهم في كلمة التوحيد: أن إثبات الإله بالإشارة; لأنه على الأخير كالتخصيص بالوصف, وهم لا يقولون به بل شبهوا الاستثناء بالغاية". اعلم أنهم لم يصرحوا بهذا المذهب لكن قالوا في كلمة التوحيد إن إثبات الإله بطريق الإشارة ففهمت من ذلك أن مذهبهم هذا; لأنه لو كان مذهبهم هو الثالث, وهو أن العشرة إلا ثلاثة موضوعة للسبعة, وقد بينا أن الاستثناء الغير العددي على هذا المذهب كالتخصيص بالوصف فصار كقوله: لا إله إلا غير الله موجود, والتخصيص بالوصف عند هؤلاء لا يدل على نفي الحكم عما عداه, فلا دلالة له على وجوده تعالى بطريق الإشارة فعلم أن مذهبهم ليس هذا الثالث, وأنهم شبهوا"
تعالى بطريق الإشارة اعتراف بمذهب الخصم فإنه لا يدعي أنه يفيد الإثبات بطريق العبارة بمعنى أن يكون السوق لأجله بل يدعي أنه مدلول اللفظ ولزوم وجوده تعالى بطريق الضرورة على الوجه المذكور يقتضي أن لا يصير الدهري النافي للصانع مؤمنا بهذه الكلمة, وهو خلاف الإجماع. أجيب على الأول بأن محل الخلاف هو اطراد هذا الحكم أعني كون الاستثناء من النفي إثباتا, وثبوته بطريق الإشارة في هذه الصورة لا يوجب الاطراد لانتفائه في مثل"لا صلاة إلا بطهور", وعن الثاني بأن مبنى الأمر على الأعم الأغلب وحكم بإسلامه عملا بظاهر قوله عليه الصلاة والسلام:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"1 الحديث.
قوله:"وما قيل"حاول ابن الحاجب وغيره المذهب الثالث بوجوه:
الأول: أنا قاطعون بأن المراد من كل من المستثنى, والمستثنى منه وآلة الاستثناء معناه الإفرادي, والمفرد لا يقصد بجزء منه الدلالة على جزء معناه.
الثاني أنه خارج عن قانون لغة العرب إذ لم يعهد مركب من ثلاثة ألفاظ, ولا مركب أعرب جزؤه الأول, وهو غير مضاف.
الثالث: أنه يلزم عود الضمير إلى جزء الاسم في مثل اشتريت الجارية إلا نصفها.
ـــــــ
1 رواه البخاري في كتاب الإيمان باب 17. مسلم في كتاب الإيمان حديث 32. الترمذي في متاب الإيمان باب 1، 2. النسائي في كتاب الزكاة باب 3. ابن ماجه في كتاب المقدمة باب 9. الدارمي في كتاب السير باب 10. أحمد في مسنده 1/11، 78.