مسهل فإن وقع الاتفاق على مثل هذا أو لم يقع فهما سواء حتى إن أنكره أحد لا يكون كفرا بل يكون جهلا بهذا الحكم سواء وقع الاتفاق أو لم يقع, أما الأحكام الدينية فإما أن تكون شرعية, أو غير شرعية. والمراد بالحكم الشرعي ما ذكرت في أول الكتاب أنه ما لا يدرك لولا خطاب الشارع وما ليس كذلك فإدراكه إما بالحس أو بالعقل, وكل واحد منهما يفيد اليقين فإن كان ذلك الأمر أمرا حسيا ماضيا فالإجماع عليه يكون إخبارا فلا يكون من قسم الإجماع المخصوص بأمة محمد عليه الصلاة والسلام. ولا يشترط له الاجتهاد بل يكون من قبيل الإخبارات, وإن كان أمرا حسيا مستقبلا كأمور الآخرة وأشراط الساعة مثلا فمعرفته لا يمكن إلا بالنقل عن مخبر صادق يوقف على المغيبات كالنبي عليه الصلاة والسلام مثلا فإجماعهم على ذلك من حيث إنه إجماع على ذلك الأمر المستقبل لا يعتبر; لأنهم لا يعلمون الغيب لكن يعتبر من حيث إنه منقول عمن يوقف على الغيب فرجع إلى الأمر الأول, وهو أن يكون محسوسا ماضيا, وإن كان أمرا يدرك بالعقل فالعقل يفيد اليقين, فالدليل هو العقل لا الإجماع بخلاف الشرعيات فإن مستند الإجماع لا يكون قطعيا ثم الإجماع يفيدها قطعية.
"فالبحث هنا في أمور: الأول: في ركنه, وهو الاتفاق, والعزيمة فيه أن يثبت ذلك إما بالتكلم منهم أو بعملهم به, والرخصة أن يتكلم البعض أو يعمل به, ويسكت الباقي بعد بلوغ ذلك إليهم ومضي مدة التأمل, وعند البعض لا يثبت بالسكوت; لأن عمر رضي الله عنه شاور"
وعبد أو ثوب فإن الثاني لا يكون بيانا للأول; لأنه لا يشبه العدد حتى يصلح قياسه على مثل له علي مائة وثلاثة دراهم مع مانع آخر وهو أن تفسير المائة بالعبد أو الثوب لا يلائم لفظ علي; لأن موجبه الثبوت في الذمة, ومثل العبد والثوب لا يثبت في الذمة إلا في السلم للضرورة فلا يرتكب إلا فيما صرح به كالمعطوف دون المعطوف عليه مع أنه لا يكثر كثرة العدد حتى يستحق التخفيف, فإن قيل: القياس ليس بمستقيم; لأن المفسر في مثل مائة وثلاثة دراهم هو مميز المعطوف أعني: المضاف إليه لا نفس المعطوف على ما زعمتم في مائة ودرهم قلنا ممنوع بل المفسر هو المعطوف بمعنى أن المعطوف عليه يكون من جنس المعطوف درهما كان أو دينارا أو غيرهما. وقد يجاب بأنه قياس في اللغة, وإن أريد ابتناء الحكم على القياس الشرعي لم يكن من قبيل البيان, وأيضا لا نسلم أن العلة هو كون المعطوف من قبيل المقدرات بل كون العطف مقتضيا للشركة فيما يتوقف عليه المعطوف, والمعطوف عليه كالجزاء, والشرط فكذا التفسير في مائة وثلاثة أثواب بخلاف مائة ودرهم إذ لا إبهام في المعطوف فلا احتياج إلى التفسير.
قوله:"الركن الثالث في الإجماع"هو في اللغة العزم يقال: أجمع فلان على كذا أي: عزم, والاتفاق يقال أجمع القوم على كذا أي: اتفقوا, وفي الاصطلاح: اتفاق المجتهدين من أمة محمد عليه الصلاة والسلام في عصر على حكم شرعي, والمراد بالاتفاق الاشتراك في الاعتقاد أو القول أو الفعل, وقيد بالمجتهدين إذ لا عبرة باتفاق العوام, وعرف فاللام الاستغراق احترازا عن اتفاق بعض مجتهدي عصر, واحترز بقوله من أمة محمد عليه الصلاة والسلام عن اتفاق مجتهدي الشرائع