وقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} الآية. والخيرية توجب الحقية فيما اجتمعوا لأنه لو لم يكن حقًا كان ضلالًا لقوله: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ } ولا شك أن الأمة الضالين لا يكونون خير الأمم على أنه قد وصفهم بقوله تعالى: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} فإذا اجتمعوا على الأمر بشيء يكون ذلك الشيء
ـــــــ
الإجماع الثاني فليس كذلك فإن الحكم قطعي بدونه فليس المراد أنه لو لم يوافق جميع العوام لم ينعقد الإجماع حتى لا يكفر الجاحد بل لا يمكن لأحد من الخواص والعوام المخالفة حتى لو خالف أحد يكفر."وبعض الناس خصوا الإجماع بالصحابة; لأنهم هم الأصول في أمور الدين والبعض بعترة الرسول عليه الصلاة والسلام لطهارتهم عن الرجس والبعض بأهل المدينة"لقوله عليه الصلاة والسلام:"إن المدينة طيبة تنفي خبثها"1, وإن الخطأ خبث."إلا أن هذه الأمور زائدة على الأهلية, وما يدل على كونه حجة لا يوجب الاختصاص بشيء من هذا, وعند البعض لا يشترط اتفاق الكل بل الأكثر كاف لقوله عليه السلام:"عليكم بالسواد الأعظم""وعندنا يشترط; لأن الحجة إجماع الأمة فما بقي أحد من أهله لا يكون إجماعا وربما كان اختلاف الصحابة والمخالف واحد في مقابلة الجمع الكثير والسواد الأعظم عامة المسلمين ممن هو أمة مطلقة, والمراد بالأمة المطلقة أهل السنة والجماعة, وهم الذين طريقتهم طريقة الرسول عليه السلام وأصحابه دون أهل البدع.
"وأما الثالث ففي شروطه انقراض العصر ليس شرطا عندنا وعند الشافعي رحمه"
قوله:"لا يكفر بالمخالفة"يعني: في صورة عدم تمام الإجماع بناء على بقاء مخالف واحد.
قوله:"انقراض العصر"عبارة عن موت جميع من هو من أهل الاجتهاد في وقت نزول الحادثة بعد اتفاقهم على حكم فيها, وفائدة ذلك جواز الرجوع قبل الانقراض لا دخول من سيحدث.
وقيل: جواز الرجوع, ودخول من أدرك عصرهم من المجتهدين في إجماعهم أيضا, وعند القائلين بالاشتراط ينعقد الإجماع لكن لا يبقى حجة بعد الرجوع وقيل لا ينعقد مع احتمال الرجوع.
قوله:"فجعلوا الخلاف المتقدم مانعا"يعني: إذا لم يكن على طريق البحث عن المأخذ كما هو دأب المناظرة بل على أن يعتقد كل حقية ما ذهب إليه, وعليه عامة أهل الحديث, والشافعية وقد صح عن محمد رحمه الله تعالى أنه لا يكون مانعا ونقل عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ما يشعر بالمنع وذلك كبيع أمهات الأولاد كان مختلفا بين الصحابة فأجمع التابعون على أنه لا يجوز فلو قضى به قاض لا ينفذ عند محمد رحمه الله تعالى وروى الكرخي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا ينقض فقيل: هذا مبني على أن الإجماع لم ينعقد, وقيل: على أن فيه شبهة حيث ذهب كثير من العلماء إلى أنه ليس بإجماع.
ـــــــ
1 رواه البخاري في كتاب فضائل المدينة باب 2، 10. مسلم في كتاب البر حديث 53. ابن ماجه في كتاب المناسك باب 3. الموطأ في كتاب المدينة حديث 4، 5.