معروفًا وإذا نهوا عن الشيء يكون ذلك الشيء منكرًا فيكون إجماعهم حجة. وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ} والوساطة العدالة ومنه قوله تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} وقوله عليه الصلاة والسلام:"لا تجتمع أمتي على الضلالة", وقوله عليه السلام:"ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن".
ـــــــ
الله تعالى يشترط أن يموتوا على ذلك الإجماع لاحتمال رجوع بعضهم ولنا أنه تحقق الإجماع فلا يعتبر توهم رجوع البعض حتى لو رجع لا يعتبر عندنا. مسألة شرط البعض كونه في مسألة غير مجتهد فيها في زمن الصحابة فجعلوا الخلاف المتقدم مانعا من الإجماع المتأخر; لأن ذلك المخالف إنما اعتبر خلافه لدليله لا لعينه, ودليله باق; ولأن في تصحيح هذا الإجماع تضليل بعض الصحابة والمختار عدم اشتراطه; لأن المعتبر اتفاق أهل العصر وقد وجد ودليله كان دليلا لكنه لم يبق كما إذا نزل نص بعد العمل بالقياس فلا يلزم التضليل الذي ذكر". اعلم أن الضلال إما أن يكون بالنظر إلى الدليل أي: لا يكون الدليل مقرونا بشرائطه, وإما أن يكون بالنظر إلى الحكم لا بالنظر إلى الدليل أن يكون الدليل مقرونا بشرائطه, ومع ذلك لا يكون موصلا إلى الحكم الذي هو حق عند الله فإن أراد بتضليل الصحابة المعنى الأول فلا نسلم لزومه; لأن الصحابة إذا اختلفوا وأقام كل واحد منهم الدليل مقرونا بشرائطه لا يكون واحد منهم ضالا ولا مخطئا بالنظر إلى الدليل ثم إذا انعقد الإجماع بعدهم على أحد الطرفين فدليل المخالف لم يبق الآن دليلا; لأنه حدث دليل أقوى, وهو الإجماع لكن الإجماع لم يدل على أن الدليل لم يكن قبل ذلك مقرونا بشرائطه فلا يكون تضليلا بالنظر إلى الدليل, وإن أراد المعنى الثاني فلا نسلم أن تضليل بعض الصحابة بالنظر إلى الحكم ممتنع بل تضليل كلهم بالنظر إلى الحكم ممتنع, فإنه إذا وقع الاختلاف بينهم فإصابة الحق لا تعدوهم ومع ذلك لا شك أن أحدهم مخطئ نظرا إلى الحكم; لأن الحق عند الله واحد عندنا. فالحاصل أنهم إن أرادوا بالتضليل التضليل بالنسبة إلى الدليل فالتضليل غير لازم; لأن دليلهم كان دليلا في ذلك الزمان لكنه لم يبق دليلا في زمان حدوث الإجماع, وإن أرادوا التضليل بالنسبة إلى الواقع فلا نسلم امتناعه; لأن المجتهد يخطئ ويصيب فإذا وقع الخلاف في مسألة فلا شك أن أحدهما بالنسبة إلى الواقع, وإلى علم الله تعالى مخطئ وضال."
قوله:"لكنه لم يبق"أي: لم يبق دليلا يعتد به ويعمل به وعبارة فخر الإسلام رحمه الله تعالى أنه نسخ واعترض عليه بأنه لا نسخ بعد انقطاع الوحي, وأجيب بجوازه فيما يثبت بالاجتهاد على معنى أنه لما انتهى ذلك الحكم بانتهاء المصلحة وفق الله تعالى أئمة المجتهدين رحمهم الله تعالى للاتفاق على القول الآخر, ورفع الخلاف, وإن لم يعرفوا مدة الحكم, وتبدل المصلحة.