لأن تكون مصروفة إلى الفقير, فالحكم الأول يثبت بدلالة النص. وأما الحكم الثاني المستفاد من قوله عليه الصلاة والسلام:"في خمس من الإبل السائمة شاة"فقد عللناه بالحاجة فإن الصدقة مع وسخها حلت لهذه الأمة لأجل الحاجة بعد أن لم تكن في الأمم الماضية فإذا كانت عين الشاة صالحة للصرف إلى الفقير للحاجة تكون قيمتها صالحة أيضا بهذه العلة فالتعليل وقع في هذا الحكم, وليس فيه تغيير النص بل يكون التغيير في الحكم الأول وهو ثابت بالنص لا بالتعليل فيكون تغيير النص بالنص مجتمعا مع التعليل في حكم آخر ليس فيه تغيير النص, وهذا معنى قول فخر الإسلام رحمه الله فصار التغيير مجامعا للتعليل بالنص لا بالتعليل وقد قال أيضا فصار صلاح الصرف إلى الفقير بعد الوقوع لله بابتداء اليد ليصير مصروفا إلى الفقير بدوام يده حكما شرعيا في الشاة فعللناه بالتقويم وعديناه إلى سائر الأموال معناه أن الصدقة تقع لله تعالى بابتداء يد الفقير. قال عليه الصلاة والسلام:"الصدقة تقع في كف الرحمن قبل أن تقع في كف الفقير". ففي حال ابتداء يد الفقير تقع لله تعالى, وفي حال بقاء يد الفقير تصير للفقير, فقوله صلاح الصرف أي: صلاح المحل, وهو عين الشاة مثلا للصرف إلى الفقير, وقوله ليصير مصروفا علة غائية للصلاح أي: صلاحية الشاة للصرف إلى الفقير ليصير مصروفا إليه بدوام يده فقوله إلى الفقير يتعلق بالصرف, وبابتداء اليد يتعلق بالوقوع, وليصير يتعلق بالصلاح, وبدوام يده يتعلق
العباد, وإيجاب الزكاة في أموال الأغنياء, وصرفها إلى الفقراء, وذلك أن الزكاة عبادة, والعبادة خالص حق الله تعالى فلا تجب للفقراء ابتداء. وإنما تصرف إليهم إيفاء لحقوقهم, وإنجازا لعدة أرزاقهم ولا خفاء في أن حوائجهم مختلفة لا تندفع بنفس الشاة مثلا, وإنما تندفع بمطلق المالية فلما أمر الله تعالى بالصرف إليهم مع أن حقهم في مطلق المالية دل ذلك على جواز الاستبدال, وإلغاء اسم الشاة بإذن الله تعالى لا بالتعليل. واعلم أن ذكر اسم الشاة إنما هو لكونها أيسر على من وجبت عليه الزكاة; لأن الإيتاء من جنس النصاب أسهل ويده إليه أوصل; ولكونها معيارا لمقدار الواجب إذ بها تعرف القيمة.
فإن قيل: إذا ثبت وجوب الشاة بعبارة النص, وجواز الاستبدال بدلالته فما معنى التعليل بالحاجة؟ أجيب بأن التعليل إنما وقع بحكم آخر وهو كون الشاة صالحة للصرف إلى الفقير, وهذا ليس بحكم ثابت بأصل الخلقة حتى يمتنع تعليله بل حكم شرعي ثابت بالنص الدال على وجوب الشاة; لأن المراد به صلاحية حدثت بعدما كانت باطلة في الأمم السالفة باعتبار كون الصدقة من الأوساخ ولهذا كان تقبل القرابين بالإحراق, وأيضا محال التصرفات إنما تعرف شرعا كصلاحية الخل محلا للبيع دون الخمر. ولما كان هذا حكما شرعيا عللناه بالحاجة أي: بحاجة الفقير إلى الشاة أو بكونها دافعة لحاجته لنعدي الحكم إلى قيمة الشاة, ونجعلها صالحة للصرف إلى الفقير; لأن الحاجة إلى القيمة أشد وهي للحاجة أدفع فصار الحاصل أن هاهنا حكما هو وجوب الشاة, وآخر هو جواز الاستبدال. وثالثا هو صلاحية الشاة للصرف إلى الفقير, والتعليل إنما وقع في هذا الحكم أي: صلاحية الشاة للصرف وليس فيه أي: في هذا الحكم تغيير بل تغيير النص الدال على وجوب