القياس وأقوال الصحابة رضي الله تعالى عنهم إن أمكن ذلك وإلا يجب تقرير الأصل على ما كان في سؤر الحمار عند تعارض الآثار.
ـــــــ
أحدهما سابقا والآخر متأخرا ناسخا للأول لكنا لما جهلنا المتقدم والمتأخر توهمنا التعارض لكن في الواقع لا تعارض. فقوله: يحمل ذلك الإشارة ترجع إلى التعارض والمراد صورة التعارض وهي ورود دليلين يقتضي أحدهما عدم ما يقتضيه الآخر."فإن علم التاريخ"جواب لشرط محذوف أي يكون المتأخر ناسخا للمتقدم"وإلا يطلب المخلص"أي يدفع المعارضة"ويجمع بينهما ما أمكن ويسمى عملا بالشبهين فإن تيسر فيها وإلا يترك ويصار من الكتاب إلى السنة ومنها إلى القياس وأقوال الصحابة رضي الله تعالى عنهم إن أمكن ذلك وإلا يجب تقرير الأصل على ما كان في سؤر الحمار عند تعارض الآثار"روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه نجس, وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه طاهر, وأيضا قد تعارضت الأدلة في حرمة لحمه وحله, فلما تعارضت الأدلة يبقى الحكم على ما كان, وهو أن الماء كان طاهرا فيكون طاهرا, ولا يزيل الحدث لوقوع الشك في زوال الحدث, فلا يزول بالشك.
"وهو"أي التعارض في الكتاب والسنة"إما بين آيتين, أو قراءتين, أو سنتين, أو آية, أو"
الصلاة والسلام:"من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة"1. ومثال المصير إلى القياس عند تعارض السنتين ما روى النعمان بن بشير أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى صلاة الكسوف كما تصلون ركعة وسجدتين وما روت عائشة رضي الله تعالى عنها أنه عليه الصلاة والسلام صلاها ركعتين بأربع ركعات وأربع سجدات تعارضا فصرنا إلى القياس على سائر الصلوات.
وهاهنا بحث, وهو أنهم صرحوا بأنه لا عبرة بكثرة الأدلة بل بقوتها حتى لو كانت في جانب آية وفي جانب آيتان, أو في جانب حديث وفي الآخر حديثان لا يترك الآية الواحدة, أو الحديث الواحد بل يصار من الكتاب إلى السنة, ومن السنة إلى القياس إذ لا ترجيح بالكثرة ويلزم من هذا ترجيح الآية والسنة على الآيتين فيما إذا كان الحديث موافقا للآية الواحدة, وكذا ترجيح السنة والقياس على حديثين, وهذا بعيد جدا; لأنه إن كان باعتبار تقوي الآية بالسنة, أو تقوي السنة بالقياس, فإذا جاز تقوي الدليل بما هو دونه فلم لا يجوز تقويه بما هو مثله, وإن كان باعتبار تساقط المتعارضين ووقوع العمل بالسنة, أو القياس السالم عن المعارض فلم لا يجوز تساقط الآيتين ووقوع العمل بالآية السالمة عن المعارض, وكذا في السنة. وغاية ما يمكن في هذا المقام أن يقال: إن الأدنى يجوز أن يصير بمنزلة التابع للأقوى فيرجحه بخلاف المماثل, أو يقال: إن القياس يعتبر متأخرا عن السنة والسنة عن الكتاب فالمتعارضان يتساقطان ويقع العمل بالمتأخر وإلى هذا يشير كلام السرخسي رحمه الله تعالى.
قوله:"لأنه إنما يتحقق التعارض إذا اتحد زمان ورودهما"ليس المراد أن تعارض الدليلين
ـــــــ
1 رواه ابن ماجه في كتاب الإقامة باب 13.