الحكم حظر, أو إباحة فحق فالحق عندنا أنا لا نعلم أن الحكم عند الله تعالى الحظر, أو الإباحة, ومع ذلك لا عقاب على فعله وتركه فعلم أنه لا خلاف بين من يقول: إنا لا نعلم أن الحكم عند الله الحظر, أو الإباحة وبين من يقول بالإباحة إذ لا معنى للإباحة إلا أنه لا يعاقب على الفعل والترك, وهذا حاصل عند من يقول: لا نعلم أن الحكم أيهما ولقوله عليه الصلاة والسلام:"ما اجتمع الحلال والحرام"الحديث"إلا وقد غلب الحرام الحلال".
النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ويكون قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ} .. الآية لبيان انتهاء الحرمة وعود الحل به أجيب بأن تفعل قد يجيء بمعنى فعل كتكبر وتعظم في صفات الله تعالى فيحمل عليه في قراءة التخفيف إذ في الانقطاع على العشرة لا يجوز تأخير حق الزوج إلى الاغتسال وقيل: معناه توضأن أي صرن أهلا للصلاة. وفي شرح التأويلات أن الآية محمولة على ما دون العشرة صرفا للخطاب إلى ما هو الغالب وانتهاء الحرمة فيما دون العشرة إنما يكون الاغتسال فقوله تعالى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} بالتخفيف أيضا معناه يغتسلن مجازا, ولا يخفى أن في الكل عدولا عن الظاهر وما ذكره الشافعي رحمه الله تعالى ليس أبعد من ذلك.
قوله:"لأن الإباحة الأصلية ليست حكما شرعيا". فإن قيل: هي حكم شرعي ثبت بقوله تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} قلنا إنما يصح ذلك لو ثبت تقدم هذه الآية على النصين المفروضين أعني المحرم والمبيح وإلى هذا أشار بقوله: فإنه أي المحرم إنما يكون ناسخا للإباحة الأصلية إن قد ورد أي إن كان قد ورد في الزمان الماضي أي الزمان المتقدم على زمان ورود النص المحرم والمبيح دليل شرعي دال على إباحة جميع الأشياء لكن ورود هذا الدليل متقدما على ورود النصين المبيح والمحرم ليس بمسلم على الإطلاق, وفي جميع الصور بل قد, وقد. وبهذا تبين أن تقرير الدليل بوجه لا يرد عليه النظر على ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى ليس بتمام; لأن عدم العقاب على الانتفاء إنما يصير حكما شرعيا بعد ورود النصوص الدالة على إباحة جميع الأشياء فتغييره بالنص المحرم لا يكون نسخا بالمعنى المصطلح إلا إذا تأخر المحرم عن دليل إباحة الأشياء, وهو ليس بلازم وبالجملة المعتبر في النسخ كون الحكم شرعيا عند ورود الناسخ, ولا يثبت ذلك إلا إذا تقدم دليل إباحة الأشياء على دليل تحريم ذلك الشيء المخصوص.
قوله:"عنينا بتكرر النسخ هذا المعنى"أي تكرر التغيير سواء كان تغيير حكم شرعي, أو لا, فإن تكرار التغيير زيادة على نفس التغيير, فلا يثبت بالشك.
قوله:"واعلم أن الشيء الذي لا يوجد له محرم, ولا مبيح"إشارة إلى مسألة حكم الأفعال قبل ورود الشرع. فإن قلت: ما لا يوجد له محرم, ولا مبيح قد يكون واجبا, أو مندوبا, أو مكروها. قلت: المراد بالمبيح ما يقابل المحرم, فإن الإباحة قد تطلق على عدم المنع عن الفعل سواء كان بطريق الوجوب أو الندب أو الكراهة فكأنه قال: الشيء الذي لم يوجد له دليل المنع, ولا دليل عدمه أي لم يعلم تعلق حكم شرعي به بناء على عدم ورود الشرع; لأن هذه المسألة إنما هي لبيان حكم الأفعال قبل البعثة, فإن كان اضطراريا كالتنفس ونحوه, فهو ليس بممنوع إلا عند من جوز تكليف