فهرس الكتاب

الصفحة 656 من 865

الحكم بالفعل على البعثة إذ لا موجب للتوقف سوى التحرز على تكليف المحال ورد بأن تجويز تكليف المحال يستلزم القول بوقوعه, ولو سلم, فلا يلزم منه ثبوت تعلق الحكم بالفعل قبل البعثة لجواز أن يمتنع بسبب آخر, وتجويز التكليف قبل البعثة ليس مذهبا للأشعري بل هو ينافي مذهبه في الحسن والقبح, فلا يصلح إلزاما له. وثالثها أن الفعل إما ممنوع في حكم الله تعالى فيحرم, أو غير ممنوع فيباح وأجاب الإمام بأنا لا نسلم أن عدم المنع في حكم الله تعالى يستلزم الإباحة, فإن المباح ما أذن الشارع في فعله وتركه من غير رجحان, وهذا معنى إعلام الشارع نصا, أو دلالة بأنه لا حرج على فاعله في الفعل والترك وعدم المنع أعم من ذلك كما في أفعال البهائم. واعتراض المصنف رحمه الله تعالى عليه ظاهر وتحقيقه أن هذا الاختلاف إنما هو على تقدير التنزل إلى أن للعقل حكما في الأفعال قبل البعثة فحينئذ لا يجوز أن يراد بالإباحة إذن الشارع في الفعل والترك بل معناها جواز الانتفاع خاليا عن أمارة المفسدة, وأما عدم الحكم الشرعي قبل البعثة فمما لا يتصور فيه خلاف. ومنشأ هذا الاعتراض مع أنه كلام على السند عدم تحرير محل النزاع وتحقيق مراد الإمام, فإن محل النزاع هو أن الفعل الذي لم يرد فيه حكم من الشارع لعدم البعثة, ولم يدرك فيه العقل جهة حسن, ولا قبح كأكل الفواكه مثلا فهل للعقل أنه يحكم حكما عاما بأنه في حكم الشارع مأذون فيه, أو ممنوع عنه ومراد الإمام أن ما لم يمنع عنه أي ما لم يدرك العقل أنه ممنوع عنه في حكم الشارع لا يلزم أن يكون مباحا أي مأذونا فيه من الشارع إعلاما بأن يرد دليل منه على أنه لا حرج في فعله وتركه, أو دلالة بأن يرشد الشارع العبد بعقله إلى أن يدرك ذلك, فلا يكون معنى كلامه أن الشيء الذي لم يعلم الشارع بالحرج في فعله وتركه وعدم الحرجلم يعلم الشارع بعدم الحرج فيه ليكون حشوا على ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى بل يكون معناه أن ذلك الفعل لا يلزم أن يدل الشارع فاعله على أنه لا حرج عليه في الفعل والترك بأن يدرك ذلك بعقله, وهذا كلام لا غبار عليه.

وأما الثاني, وهو التوقف بمعنى عدم العلم بأن في ذلك الفعل حكما لله تعالى أم لا فباطل; لأنا نعلم قطعا أن لله تعالى في كل فعل حكما إما بالمنع عنه, أو بعدم المنع وللخصم أن يمنع ذلك, ولا تناقض بين الحكم بالمنع والحكم بعدم المنع حتى يمتنع ارتفاعهما وإنما التناقض بين الحكم وعدم الحكم, وهو لا يوجب الإباحة.

وأما الثالث وهو التوقف بمعنى عدم العلم بأن حكمه الإباحة أو الحظر فحق إذ التقدير أنه لا دليل من الشارع, ولا مجال من العقل, وهذا يساوي القول بالإباحة من جهة اتفاقهما على أنه لا عقاب على الفعل, ولا على الترك, فلا خلاف بينهما في المعنى. وفيه نظر; لأن مذهب المتوقف هو أنه لا علم بالعقاب وعدمه. وعدم القول بالعقاب أعم من القول بعدم العقاب فكيف يتساويان؟ فظهر أن قوله: ومع ذلك فلا عقاب ليس بمستقيم; لأن القول بعدم العقاب قول بالإباحة; لأنه معناها على ما فسرها, فلا توقف.

قوله:"ولقوله عليه الصلاة والسلام"دليل آخر على جعل المحرم ناسخا للمبيح, وهو عطف على قوله:"لأن قبل البعثة كان الأصل الإباحة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت