وأما إذا كان أحدهما مثبتا والآخر نافيا فإن كان النفي يعرف بالدليل كان مثل الإثبات وإن كان لا يعرف به بل بناء على العدم الأصلي فالمثبت، أولى لما قلنا في المحرم والمبيح وإن احتمل الوجهين ينظر فيه فما روي أنه عليه الصلاة والسلام تزوج
ـــــــ
"وأما إذا كان أحدهما مثبتا والآخر نافيا فإن كان النفي يعرف بالدليل كان مثل الإثبات وإن كان لا يعرف به بل بناء على العدم الأصلي فالمثبت, أولى لما قلنا في المحرم والمبيح وإن احتمل الوجهين ينظر فيه"أي إن احتمل النفي أن يعرف بدليل وأن يعرف بغير دليل بناء على العدم الأصلي ينظر في ذلك النفي فإن تبين أنه يعرف بالدليل يكون كالإثبات وإن تبين أنه بناء على العدم الأصلي فالإثبات أولى."فما روي"أنه عليه الصلاة والسلام تزوج ميمونة, وهو حلال"مثبت وما روي أنه محرم ناف فإنه اتفق على أنه لم يكن في الحل الأصلي والإحرام حالة مخصوصة تدرك عيانا فكلاهما سواء فرجح بالراوي وروي أنه المحرم عبد الله بن عباس ولا يعدله يزيد بن الأصم ونحوه"هذا نظير النفي الذي يعرف بالدليل. اعلم أن نكاح المحرم جائز عندنا تمسكا بما روي أنه عليه الصلاة والسلام تزوج ميمونة, وهو محرم وتمسك الخصم بما روي أنه عليه الصلاة والسلام تزوج, وهو حلال واتفقوا على أنه لم يكن في الحل الأصلي فالخلاف في أنه كان في الإحرام, أو في الحل الذي بعد الإحرام فمعنى أنه تزوجها في الإحرام أنه لم يتغير الإحرام بعد ومعنى أنه تزوجها في الحل الذي بعد الإحرام أن الإحرام تغير إلى الحل فالأول ناف والثاني مثبت لكن الإحرام حالة مخصوصة مدركة عيانا فتكون كالإثبات فرجحنا بالراوي, وهو ابن عباس رضي الله عنهما.
قوله:"فالمثبت أولى"إذ لو جعل الباقي أولى يلزم تكرر النسخ بتغيير المثبت للنفي الأصلي, ثم النافي للإثبات وأيضا المثبت يشتمل على زيادة علم كما في تعارض الجرح والتعديل بجعل الجرح أولى; ولأن المثبت مؤسس والنافي مؤكد والتأسيس خير من التوكيد وعن عيسى بن أبان أن النافي كالمثبت, وإنما يطلب الترجيح من وجه آخر, وقد دل بعض المسائل على تقديم المثبت وبعضها على تقديم النافي فلذا احتاج المصنف رحمه الله تعالى إلى بيان ضابط في تساويهما وترجيح أحدهما على الآخر, وهو أن النفي إن كان مبنيا على العدم الأصلي فالمثبت مقدم وإلا فإن تحقق أنه بالدليل تساويا, وإن احتمل الأمرين ينظر ليتبين الأمر وعلى هذا الأصل الذي ذكره في باب الرواية تتفرع الشهادة على النفي بأن يتساوى النافي والمثبت إن علم أن النفي بدليل ويقدم المثبت إن علم أن النفي بحسب الأصل وإلا ينظر فيه ليتبين.
قوله:"واتفقوا على أنه لم يكن في الحل الأصلي"كأنه يريد اتفاق الفريقين, وإلا فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قبل أن يحرم. كذا في معرفة الصحابة للمستغفري.