فهرس الكتاب

الصفحة 678 من 865

اختصاص كل منهما بأحكام فيجوز أن يكون الشيء واجبا على مجتهد وعلى من التزم تقليده, غير واجب على آخر وعلى مقلديه, ثم اختلف القائلون بحقية الجميع فذهب بعضهم إلى تساوي الجميع في الحقية وبعضهم إلى كون البعض أحق أي أكثر ثوابا بمعنى أن من أدى اجتهاده إلى وجوب الشيء, فهو أكثر ثوابا ممن أدى اجتهاده إلى عدم وجوبه مع حقية الحكمين استدل الأولون بأن الدليل الدال على تعدد الحق في المسائل الاجتهادية, وهو لزوم تكليف ما لا يطاق على تقدير عدم التعدد لا يوجب التفاوت بين الحكمين في الأحقية. وفيه نظر; لأنه لا يوجب التساوي فيجوز أن يثبت التفاوت بناء على دليل آخر. واستدل الآخرون بأنه لو تساوت الأحكام الاجتهادية في الحقية لجاز للمجتهد أن يختار أيها شاء من غير تعب في بذل المجهود وطلب لنيل المقصود, وهذا معنى سقوط الاجتهاد. وفيه نظر أما أولا فلأن التقدير أن لا حكم قبل الاجتهاد, وإنما يحدث عقيبه فلا بد من الاجتهاد ليتحقق الحكم, وأما ثانيا فلأنها, وإن تساوت في الحقية إلا أن المتعين بالنسبة إلى كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده لا غير حتى لا يجوز له أن يختار غيره, ولا أن يترك الاجتهاد ويقلد مجتهدا آخر.

وأما ثالثا فلأنه على تقدير تحقق الحكم قبل الاجتهاد وجواز اختيار المجتهد أي حق شاء لا بد من الاجتهاد ليعلم تعدد الحق فيتمكن من اختيار أحد الحقين إذ ليس كل مسألة اجتهادية مما يتعدد فيه الحق بل قد تجتمع الآراء على حكم واحد فيكون الحق واحدا مجمعا عليه.

والحاصل أن التعدد لا يكون إلا عند اختلاف آراء المجتهدين, وهو بدون الاجتهاد لا يتصور واعلم أن مراد المستدل هو أنه لو تساوت الحقوق لثبت الحق بمجرد اختيار الحكم بأدنى دليل يؤدي إليه من غير مبالغة في الطلب والاجتهاد لتساوي ما ينال بغاية الطلب وما ينال بأدنى الطلب, وهذا معنى سقوط الاجتهاد يدل على ذلك ما ذكر في التقويم أنه لو تساوت الحقوق لبطلت مراتب الفقهاء وتساوى الباذل كل جهده في الطلب المبلى عذره بأدنى طلب وعلى هذا لا يرد الاعتراض.

قوله:"ولنا"احتج أصحابنا على أن الحق واحد والمجتهد يخطئ ويصيب بالكتاب والسنة والأثر ودلالة الإجماع والمعقول.

أما الكتاب فقوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} والضمير للحكومة أو الفتوى ووجه الاستدلال أن داود عليه الصلاة والسلام حكم بالغنم لصاحب الحرث وبالحرث لصاحب الغنم وسليمان حكم بأن تكون الغنم لصاحب الحرث ينتفع بها ويقوم أصحاب الغنم على الحرث حتى يرجع كما كان فيرد كل إلى صاحبه ملكه وكان حكم داود عليه الصلاة والسلام بالاجتهاد دون الوحي وإلا لما جاز لسليمان عليه الصلاة والسلام خلافه, ولا لداود الرجوع عنه, ولو كان كل من الاجتهادين حقا لكان كل منهما قد أصاب الحكم وفهمه, ولم يكن لتخصيص سليمان عليه الصلاة والسلام بالذكر جهة, فإنه وإن لم يدل على نفي الحكم عما عداه لكنه في هذا المقام يدل عليه كما لا يخفى على من له معرفة بخواص التراكيب, وهذا مبني على جواز اجتهاد الأنبياء وجواز خطئهم فيه على ما ثبت ذلك في موضعه, وقد يجاب بأن المعنى ففهمنا سليمان عليه الصلاة والسلام الفتوى, أو الحكومة التي هي أحق وأفضل ويكون اعتراض سليمان عليه الصلاة والسلام مبنيا على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت