فهرس الكتاب

الصفحة 677 من 865

المقيس عليه وارد في المقيس معنى وإن لم يكن واردا صريحا, فلو كان النصان واردين فيه صريحا كان الحق واحدا; لأنه لا تعارض في أدلة الشرع فيكون أحدهما منسوخا والآخر ناسخا, فإذا كان النصان وهما النص الوارد في المضروب والنص الوارد في الثياب واردين في الحلي من حيث المعنى لا يدلان على حقيقة مدلولي كل منهما إذ دلالتهما معنى لا تزيد على دلالتهما صريحا, ولو وجدت دلالتهما صريحا لا يكون مدلول كل منهما حقا فكذا إذا وجدت دلالتهما معنى بالطريق الأولى.

في كل صورة من الحوادث حكما معينا أم الحكم ما أدى إليه اجتهاد المجتهد فعلى الأول يكون المصيب واحدا وعلى الثاني يكون كل مجتهد مصيبا. وتحقيق هذا المقام أن المسألة الاجتهادية إما أن يكون لله تعالى فيها حكم معين قبل اجتهاد المجتهد, أو لا يكون وحينئذ إما أن لا يدل عليه دليل, أو يدل وذلك الدليل إما قطعي, أو ظني فذهب إلى كل احتمال جماعة فحصل أربعة مذاهب: الأول: أن لا حكم في المسألة قبل الاجتهاد بل الحكم ما أدى إليه رأي المجتهد وإليه ذهب عامة المعتزلة, ثم اختلفوا فذهب بعضهم إلى استواء الحكمين في الحقية وبعضهم إلى كون أحدهما أحق, وقد ينسب ذلك إلى الأشعري بمعنى أنه لم يتعلق الحكم بالمسألة قبل الاجتهاد وإلا فالحكم قديم عنده. الثاني: أن الحكم معين, ولا دليل عليه بل العثور عليه بمنزلة العثور على دفين فلمن أصاب أجران ولمن أخطأ أجر الكد وإليه ذهب طائفة من الفقهاء والمتكلمين. الثالث: أن الحكم معين وعليه دليل قطعي والمجتهد مأمور بطلبه وإليه ذهب طائفة من المتكلمين, ثم اختلفوا في أن المخطئ هل يستحق العقاب أم لا؟ وفي أن حكم القاضي بالخطأ هل ينقض. الرابع: أن الحكم معين وعليه دليل ظني إن وجده أصاب, وإن فقده أخطأ والمجتهد غير مكلف بإصابتها لغموضها وخفائها فلذا كان المخطئ معذورا بل مأجورا, ثم اختلف هؤلاء في أن المخطئ مخطئ ابتداء وانتهاء معا, أو انتهاء فقط, وهذا هو المختار عند المصنف رحمه الله تعالى.

قوله:"لهم"احتج القائلون بتعدد الحق في المسائل الاجتهادية وإصابة كل مجتهد بوجهين:

أحدهما: أنه لو يتعدد الحق لزم تكليف ما لا يطاق, وهو باطل لما مر بيان الملازمة أن المجتهدين مكلفون بنيل الحق وإصابة الصواب إذ لا فائدة للاجتهاد سوى ذلك, فلو كان الحق واحدا لكان المجتهد مأمورا بإصابته بعينه, وظاهر أن ذلك ليس في وسعه لغموض طريقه وخفاء دليله فيجب أن يكون الحق بالنسبة إلى كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده.

والثاني: أن اجتهاد المجتهد في الحكم كاجتهاد المصلي في أمر القبلة والحق فيه متعدد اتفاقا فكذا هاهنا لعدم الفرق. وإنما قلنا: إن الحق فيه متعدد اتفاقا; لأن المصلي مأمور باستقبال القبلة, فلو لم يكن جميع الجهات بالنسبة إلى المصلين إلى جهات مختلفة قبلة لما تأدى فرض من أخطأ جهة القبلة واللازم باطل; لأنه لا يؤمر بإعادة الصلاة. فإن قيل: تعدد الحق يستلزم اتصاف فعل واحد بالمتنافيين كالوجوب وعدمه, وهو محال. أجيب بأنه إن أريد بالنسبة إلى شخص واحد في زمان واحد فاللزوم ممنوع, وإن أريد بالنسبة إلى شخصين فالاستحالة ممنوعة لجواز أن يجب شيء على زيد, ولا يجب على عمر وكما عند اختلاف الرسل بأن يبعث الله تعالى رسولين إلى قومين مع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت