ويلخّص معاني كلامه أن الأعمال كلَّها منوطةٌ بأسباب، وأن الأسباب ما جعلت أسبابًا إلا لاشتمالها على الحِكم والمصالح التي ضبطها الشرعُ بها، وجعلها علامة عليها، ومعرِّفًا بها. فإذا كان العمل مسلوبًا من الحكمة التي رُوعيت في سببه كان فعلُه خليًا عن الحكمة التي لأجلها جعل مُسبَّبًا على سببه، مثل القتال له صورة واحدة وأسباب متعددة. فمنه الجهاد، ومنه قتال الفئة الباغية وهما مشروعان ويختلف حكمه فيهما [1] ، ومنه ما ليس مشروعًا مثل القتال
(1) دليل مشروعية الجهاد قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} الحج: 78، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ ...} التوبة: 111، وحديث:"أي العمل أفضل؟ قال: الجهاد في سبيل الله". خَ مَ تَ نَ وابن خزيمة عن أبي هريرة، وقوله - صلى الله عليه وسلم:"لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها". خَ مَ.
وفرضية الجهاد باتفاق الفقهاء عند التقاء الزحفين وتقابل الصفين لقوله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} الأنفال: 45. وعند نزول الكفار ببلد مسلم حماية للدماء ودفعًا لشرهم وقهرهم. الكاساني. البدائع: 7/ 98. وعند استنفار الإمام لقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} التوبة: 38. وقوله - صلى الله عليه وسلم:"إذا استنفرتم فانفروا". متفق عليه.
أما البغاة:"فكل من نزع يده من طاعة إمامه. فَمَن فارق الجماعة شبرًا فمات مات ميتة جاهلية، ومن خرج عن السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية". انظر: 92 كتاب الفتن، 2 باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم: سترون بعدي أمورًا تنكرونها. خَ: 8/ 87.
وفيه حديث مسلم عن أبي هريرة:"من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية. ومن قاتل تحت راية عمّيّة يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية فقتل فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد ="