وهي مسلَّمَةٌ في أصول الفقه وعلم فروعه، لأنه لا ينبغي أن تتساهل الأمةُ في تفريط مقاصد الشريعة، لأن الاسترسال في ذلك يتسرَّى فيهم إلى إضاعة معظم الشريعة.
ولذلك نرى الشريعة تحافظ على أحكامها في الأحوال التي يتحقق فيها عدم فوات المقصد، مثل منع الوصية للوارث بما دون الثلث مع أنها أباحت للموصي أن يعطي لغير الوارث. فكان الظاهر أن إعطاء الثلث لبعض الورثة أولى بالجواز. ولكنّ منعَه إنما هو للمحافظة على مقصد المواريث. وهو تعيين أنصباء للورثة لا يتجاوزها الناس إبطالًا لما كان عليه أهل الجاهلية. فلذلك منعت الوصية للوارث مطلقًا، وأنفذت للأجنبي في الثلث.
ولإكمال الوصول إلى الغاية من هذا المسلك أقام نظامُ الشريعة أمناءَ ووَزَعَةً لتنفيذ أحكامها ومقاصدها في الناس بالرغبة والرهبة أعني بالموعظة والقوة. كما أشار إليه قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [1] . وقد أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحدود، وبعث الأمراء والقضاة إلى الأقطار البعيدة عنه، بحيث صار ذلك من المتواتر من
= قاعدة اقتضاء النهي الفساد في نفس الماهية، واقتضائه الفساد في أمر خارج عن الماهية، الفرق السبعون: 2/ 82. ابن الوكيل. الأشباه والنظائر: 1/ 119؛ الجويني. البرهان: 1/ 283؛ الغزالي. المستصفى: 1/ 315؛ الرازي. المحصول: 1 ق 2/ 486؛ الآمدي. الأحكام: 2/ 275؛ الأصفهاني. بيان المختصر: 2/ 88؛ ابن حزم. الإحكام: 3/ 259؛ ابن النجار. شرح الكوكب المنير: 3/ 83؛ العلائي. تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد.
(1) الحديد: 25.