وأما المسلك الثاني، مسلك التيسير والرحمة، فإنّ الشريعة كما علِمتَ قد بُنيت على سهولة قبولها في نفوس الناس، لأنها شريعة فطرية سمحة، وليست نكايةً ولا حرجًا كما تقدم. فهي تحمل الناس على المصالح حملًا أقصى ما يمكن أن يكون الحمل من الرحمة والتيسير، إذ لا فائدة في التشريع إلا العمل به.
وقد كان تيسير الشريعة ذا مظاهر ثلاثة:
أحدها: أن أحكامها المعيّنة مبنية على التيسير نظرًا لغالب الأحوال كما قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [1] وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [2] ونحو ذلك.
والمظهر الثاني: أنها تعمد إلى تغيير الحكم الشرعي من صعوبة إلى سهولة في الأحوال العارضة للأمة أو الأفراد، فتيسّر ما عرض له العسر، قال الله تعالى: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} ، [3] وقال: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [4] . ولذلك كان من أصول قواعد التشريع قاعدة المشقّة تجلب التيسير [5] . وهذا هو مبحث الرخصة.
= يتعين تأخيره في الولايات والمناصب والاستحقاقات الشرعية. القرافي. الفروق: 2/ 157 - 163، والفرق الثالث والعشرين والمائتين بين قاعدة ما ينفذ من تصرفات الولاة والقضاة وبين قاعدة ما لا ينفذ من ذلك، وهو خمسة أقسام. القرافي. الفروق: 4/ 39 - 48.
(1) الحج: 78.
(2) البقرة: 185.
(3) الأنعام: 119.
(4) البقرة: 173.
(5) راجع في هذا: الزرقاء. شرح القواعد الفقهية، القاعدة السادسة عشرة: 105 - 110.