فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 613

الإمام أحمد بن حنبل لما حضرته الوفاة وفرّج الله عنه المحنة بعد أن استمرّت عشرين سنة ثم فُرجت في زمن (المتوكل بالله) ؛ حملوه وكأنّه أمير الدولة وأخذوه هو وأولاده، وأرسل له الخليفة يقول له:"هؤلاء نفوس بغداد ستة آلاف ألف نسمة -يعني ست ملايين رجل- اعزل من تشاء، وولِّ من تشاء". هذا في نهاية المحنة.

ثم أرسل له تجار بغداد الذهب والدنانير بالأطنان حتى يقوم بالإصلاح، حتى يعطي ويساعد في عملية تنظيف الدولة من المعتزلة ومن ولاة السُّوء، وأصبح الحاكم هو أحمد بن حنبل.

قال الراوي: كان أحمد بن حنبل يقوم الليل قبل المحنة ثلاثمائة ركعة، فبعد الضرب كان يقوم الليل مائة وخمسين ركعة قاعدًا، فكان يقول:"اللهم غفرانك هذه أشدّ عليّ من تلك". يعني أنّي تولّيت أمور الناس أسوأ من ضرب السّياط.

فلما حضرته الوفاة بعد فترة قصيرة أتوا له بخبز، قال لهم:"من عند من جاء هذا الخبز؟"، قالوا له:"من ولدك صالح". قال لهم:"لا تخبزوا عجيني في تنّور ابني صالح فإنه يدخل على السلطان"!.

وهذا السلطان هو الذي كان يقول عنه الإمام أحمد نفسه:"مثله في بني العباس كمثل عمر بن عبد العزيز في بني أمية"، وهو الذي حلّ المشكلة وأزال المحنة، ولكن مع هذا لم يدخل عليه حتى لا يقع فيما أخبر عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تأتوا أبواب السلاطين فتُفتنوا) [1] ، فكان الناس ينظرون إلى باب السلطان وكأنه لسعة عقرب!.

الآن صارت القضية بالمقلوب، فجاء الناس لأبواب السلاطين ففُتنوا، وجَرَت علينا سنن الأمم من قبلنا ودخلنا جحر الضَّب وحصل الذي حصل. فلا بد من تبيان هذه المسألة حتى تسقط شرعية هؤلاء العلماء المنافقين؛ فيأخذ الناس دينهم عن علماء الحق على قِلَّتهم وعن طلبة علم الجهاد، فيتّبعوا السُّنن ويتّبعوا القراطيس كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن مؤمني آخر الزمان: (وجدوا قراطيس آمنوا بها) [2] .

فالعلم موجود، ومواقف الحق موجودة، هل هناك أحد لا يعلم أن جهاد اليهود وجهاد أهل الكتاب فيه أجر شهيدين؟ هل هناك أحد لا يعرف أن جهاد المرتدين واجب؟

فالقضية لا تحتاج إلى علماء ولا إلى أحكام، هي قضية دفع صائل، ويجب نقوم بدفع الصائل، فلا تحتاج القضية إلى (أفتاني الشيخ فلان) و (أفتاني الشيخ علان) . وإلى لحظتنا هذه تجد أناسًا

(1) لم أجده بهذا النص وفي سنن النسائي: (4309) عنه - صلى الله عليه وسلم: (وَمَنِ اتَّبَعَ السُّلْطَانَ افْتُتِنَ) . والحديث صححه الألباني.

(2) لم أجده بهذا النص ولكن أخرج البيهقي في دلائل النبوة 6/ 538 عن الرَسُول - صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَعْجَبَ الْخَلْقِ إِلَيَّ إِيمَانًا لَقَوْمٌ يَكُونُونَ بَعْدَكُمْ يَجِدُونَ صُحُفًا فِيهَا كِتَابٌ يُؤْمِنُونَ بِمَا فِيهَا) . والحديث حسّنه الألباني في السلسلة (3215) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت