ميتًا، فهو يتطوّر بهذا المنوال. ومنهم الذي يموت في الأول ومنهم الذي يموت في نصف الطريق ومنهم الذي يموت في الآخر.
فقال ابن خلدون أنّ الدول والحكومات والممالك مثل الإنسان؛ تُولد بسيطة ناشئة فيها عنفوان الطفولة، ثم تنمو وتشتد، ثم تستوي قويَّة، ثم تدخل عليها الدنيا والتجارة والنساء والجواري والأموال فيبدأ الناس يسترخون ويتركون الجهاد فتنشأ أمة مسترخية، وينشأ أولاد الملك الذين لم يتعبوا مع أبيهم في إنشاء المُلك إلّا قليلًا، ثم ينشأ أحفادهم الذين لم يروا القتال ولا قيام الدولة ولا الجهاد، وإنما رأوا القصور والجواري والحريم فتنشأ أمة ناعمة، فالأمة ناعمة تضعف، فتقوم عليها الثورات والبلاوي.
ويكون إلى جانبهم مملكة جديدة قوية في مرحلة القوة والعضلات، فترى أمة منحنيّة فتضربها وتستلم مكانها، وهكذا تتصارع الدول وتسقط ممالك وتقوم ممالك. هذه خلاصة نظرية ابن خلدون.
فهو وضع أسباب النهوض للدولة القوية فذكر منها: الخشونة، والبداوة، وقلّة الدنيا، وحبّ القتال، ومنها العصبية؛ أن يكون هناك عصبية يجتمع عليها الناس. ولو تأملت تجد كل الدول اجتمعت على عصبية؛ سواء كانت عصبية عائلة مثل آل سعود فقاتلوا واستلموا الحكم، أو مثل النصيرية أسرة قاتلوا واستلموا الحكم، بني عثمان أسرة. أو عصبية دينيّة مثل بني العباس قام داعية للدين ودعا الناس للرضا من آل البيت.
وكذلك الطالبان عصبيَّة، فهي أمر اجتمعوا عليه فصارت رابطة وعصبية، فجمعوا بعضهم وأخذوا السلاح رفعوا الأعلام وقالوا نحن طالبان، ما الذي جمعهم على القضية؟ العصبية.
فالعصبية قضية مهمة لنشوء الدول، أن يتعصّب الناس لمبدأ يجتمعوا ليقاتلوا عليه. عندنا الدين هو الأصل، والقوميّة تدعم الدين، عندما وجد خالد بن الوليد -رضي الله عنه- أنّ الناس بدأت تنهزم في حروب الردّة سحب المسلمين وقال لهم: تمايزوا على رايات القبائل؛ بنو تميم وبنو فلان وبنو علان، حتى نعرف من أين يؤتى المسلمون.
فهم يقاتلون على الدين ولكن يقولون: يا بني تميم لا يّؤتى الإسلام من قِبلكم، فيجتمعون على عصبية الدين وعصبية القبيلة. فهذه العصبية أتت بقيام الدولة.
فشرح ابن خلدون في نظريته أسباب قيام الدول وأسباب فناء الدول؛ وذكر أنّ أهم سبب لفناء الدول هو دخول المال والنساء؛ التَّرف، وهذا ما ذكره الرسول -صلى الله عليه وسلم- [1] .
(1) أخرج البخاري (3158) ومسلم (2961) عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم)