عندما كنت أدرس التاريخ كانت عندنا مادة لدراسة كتاب اسمه (الأدب الاجتماعي منذ الألف الرابعة قبل الميلاد) ، يتحدث عن الحضارة منذ أربعة آلاف سنة قبل الميلاد يعني في ستة آلاف سنة، فأخذوا بعضًا من النصوص السومريّة وترجموها للغة العربية، ففي أحد هذه النصوص كتب أحدهم:"المرأة المبذّرة لأموال زوجها أشرّ من جميع الشياطين داخل البيت"! هذا الكلام قبل ستة آلاف سنة!.
وكذلك في أدبيات الحضارة الرومانية من أيام قيصر؛ كتب أحد الأدباء الرومان يقول:"حسبت الأموال التي تنفقها نساؤنا على العطور فوجدت أنها تجهّز عدة جيوش للإمبراطورية". ثم يقول:"إني أعتقد أن هذا سيكون سببًا لفناء الإمبراطورية الرومانية؛ كثرة بطر النساء فيها". هذا الكلام منذ ألفيّ سنة!.
الشاهد أنّ أسباب الانحلال يعرفها المؤرخون؛ فالحضارات تنحلّ عندما يدخل المال والدنيا إلى قلوب الناس.
وإذا نظرت في التاريخ الروماني أو الإسلامي ستجد أن هذه السُّنّة لم تتخلّف أبدًا؛ سترى أنّ سقوط بني العباس بناءً على نظرية ابن خلدون، وسقوط بني أمية كذلك، آل عثمان، آل سعود سائرون نحو السقوط بنفس الطريقة؛ أنّه طلع الجيل الثالث الجيل الناعم ..
فكما أنّه في بني الإنسان هناك إنسان يعمّر سنتين وهناك إنسان يعمّر مائتي سنة، فكذلك في الحضارات ما يعمّر عشرين سنة ومنها ما يُعمّر ألف سنة. الرومان حضارتهم عمّرت ألفيّ سنة، الفراعنة سبع آلاف سنة، الروس الأكاسرة ست آلاف سنة، حضارات الصين بآلاف السنين. هناك حضارات معمّرة. الإسلام حضارة ألف وثلاثمائة سنة. أمريكا عمرها الآن مائة وثمانين سنة.
الحضارة الغربية مائتي سنة وفيها علامات الموت. كل المؤرخين يقولون: أن الحضارة الغربية في مرحلة الشيخوخة والموت. فالحضارات أيضًا لها أعمار.
وسنتحدث لاحقًا عن نظرية توينبي وهي بشرى لنا وهي صحيحة والآن يُكتب في أوروبا كتابات كثيرة.
لننظر الآن إلى هذه الخريطة، فاعتبارًا من هذه المحاضرة لا بدّ أن تفهموا أنّ هذه الخريطة الملوّنة أمامنا هي خريطة العالم، ومعرفة الجغرافية أمر مفيد جدًا في معرفة السياسة؛ لأن التاريخ دار على الأرض فلا بد أن تأخذ فكرة عن الأرض.
فهذا الأزرق بحر، والملون يابسة، وهذه اليابسة مُقسّمة إلى خمس قارات رئيسية: آسيا، إفريقيا، أوروبا، أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وأستراليا؛ أربعة قارات كبيرة واعتبروا أستراليا قارة باعتبارها بعيدة لوحدها وإن كانت هي دولة واحدة، فاعتبروها قارة خامسة.