وأهم ما في هذه المرحلة أن أبا بكر -رضي الله عنه- ثبّت الدولة وخلّصها من الأخطار الداخلية، فبعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ارتدّ معظم الجزيرة، فلم يثبت على الإسلام إلا أهل المدينة ومكة وبعض المناطق، وصارت حركة ردّة قويّة جدًّا، وخرج مسيلمة الكذاب خاصة في منطقة الخليج العربي التي كانت تُسمّى وادي اليمامة.
فتولّى أبو بكر الصديق شدّ همة الصحابة، وأغلبهم كان يرى أن ينكمشوا في المدينة ولا يرسلوا البعث ولا يخرجوا بعيدًا ولا يقوموا باصطدام حتى تتماسك الدولة، ولكن أبا بكر -رضي الله عنه- وقف موقفًا حازمًا، فمن ناحية واجه المرتدّين ومن ناحية أنفذ جيش أسامة.
وحركة المرتدين قُضي عليها في عهد أبي بكر وكلّفت الكثير جدًّا، حتى أنّها كانت سببًا في بداية كتابة وجمع القرآن لكثرة ما قُتل فيها من الحفّاظ. المهم ثبتت الدولة فبدأت تتوجَّه إلى الخارج للتوسّع والفتوحات.
وأرجع بكم للوراء قليلًا، في مرحلة الرسول -صلى الله عليه وسلم- كانت المعركة داخليًا مع اليهود والمشركين والمنافقين، هذه كانت المعارك الداخلية لدولة الإسلام الأولى، أما في التّماس الخارجي فكانت معركة الإسلام هي ضدّ الروم، فبدأت تتبلور المعركة كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالرُّومُ ذَاتُ الْقُرُونِ .. أَصْحَابُكُمْ مَا كَانَ فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ) ، فبدأت المعركة تأخذ شكلها الطبيعي: الإسلام ضدّ الروم.
في مرحلة أبي بكر الصديق توجّه جيش أسامة ثم تبعه كبار الصحابة، ثم آلت القيادة إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم خالد بن الوليد، وبدأ كبار الصحابة يزحفون إلى الشام، وقبل أن يُتوفّى أبو بكر الصدّيق كانوا تقريبًا أشرفوا على اليرموك في جنوب سوريا، معناها كانوا قد أدخلوا الأردن ومعظم فلسطين في دولة الإسلام.
هذا كان في مرحلة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- التي انتهت سنة 634 م يعني سنة 13 هـ، من 10 إلى 13 هجري، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد رأى رُؤية مشهورة عن الخلفاء الراشدين فقال -صلى الله عليه وسلم-: (أُرِيتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أَنْزِعُ بِدَلْوِ بَكْرَةٍ عَلَى قَلِيبٍ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا، أَوْ ذَنُوبَيْنِ نَزْعًا ضَعِيفًا، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ، وَضَرَبُوا بِعَطَنٍ) [1] . فأوّله الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن مدّة أبي بكر قصيرة، ومدّة عمر طويلة، وهكذا.
فخلِفه سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ومن ناحية النظام الدولي الذي يهمنا يعتبر سيدنا عمر بن الخطاب هو رجل الدولة الذي أرسى دولة الإسلام. يعني هناك عقليات عسكرية، وهناك عقليات دعوية، وسيدنا أبو بكر هو أفضل الصحابة باتفاق علماء أهل السنة،
(1) صحيح البخاري (3682) .