كذلك أخرج قانونًا بمنع الزواج بنساء الشام، دخل أهل الجزيرة بلاد الشام مثلما دخل المجاهدون الآن إلى بلاد (الفرسوان) ، حتى أنّ الملا عمر نهى عن الزواج في أهل الشمال، لم يمنعهم ولكن حذّر.
فتجد أنّه رجل يعرف المشاكل التي يمكن أن تأتي، حتى أنّ المسلمين عندما فتحوا فلسطين وجدوا سهولًا زراعية خصبة جدًّا، فبدأوا يزرعون وخرجت لهم محاصيل غير طبيعية، أول مرة يراها العرب، فسمع عمر أن الناس بدأت تزرع، فأرسل لهم رسولًا جمع المحصول وأحرقه كله، وقال لهم: إنما بُعثتم أجنادًا وإنما الزراعة وهذه الأمور للموالي والعبيد وليست لكم، أنتم للجهاد والفتوح.
فرتّب كل الدولة حتى عمل قوانين للمحاسبة، وجعل المحاسبة في مناطق فارس باللغة الفارسية، وفي مناطق الشام باللغة السريانية، وقال لهم استعملوا كُتّابًا، ومنع استعمال كتَّاب النصارى. وقصة أبي موسى الأشعري معروفة عندما منعه عمر بن الخطاب من استخدام كاتب من أهل الكتاب فقال له أبو موسى:"له دينه ولي كتابته"، فقال عمر:"لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزّهم إذ أذلَّهم الله، ولا أُدنِيهم إذ أبعدهم الله"، قال أبو موسى:"لا يتم أمر البصرة إلا به"، فقال عمر:"مات النصراني والسلام" [1] ، يعني لنفترض أن النصراني مات فهل ستبقى بدون كاتب؟ فما تعمله بعد موته فاعمله الآن واستغنِ عنه بغيره.
وهذه الأمور ضاعت الآن وأصبح النصارى يتولَّون الولايات وكذا، وأحكي لكم قصة واحدة حتى أبين هذا، حضرت مؤتمر (الحوار الإسلامي المسيحي) في مدريد، والذي كان على رأسه من طرف المسلمين خمس شخصيات من أخبر الناس بدين الإسلام في هذا الزمان، وأنا شهدت المؤتمر ورأيت بعيني وسمعت بأذني.
جاء وفد من الفاتيكان والكرادنة والقساوسة، وجاء وفد المسلمين على رأسه رئيس (رابطة العالم الإسلامي) عبد الله نصيف، والثاني دكتور في الشريعة موريتاني، والثالث معروف الدواليبي وكان رئيس وزراء سوريا سابقًا، وهو دكتور مشهور جدًّا، وكان مستشارًا للملك عبد العزيز بعد أن ترك السياسة في سوريا، ثم مستشارًا لابنه فيصل، ثم لابنه خالد، ثم لابنه فهد الملك الحالي، فكان مستشارًا لكل ملوك آل سعود، رجل كان عمره أكثر من تسعين سنة. وجاء للمؤتمر كذلك وزير الأوقاف الأردني السابق كامل الشريف، وهو من جماعة الإخوان المسلمين وممن شارك في جهاد الإخوان في فلسطين.
فجاؤوا للمؤتمر وكان لمدة ثلاثة أيام، فكانت محاضرة (كامل الشريف) عن حقوق أهل الذمة في دولة الإسلام، فقام رجل وعرّف بنفسه وسأل سؤالًا، وطبعًا كان هناك ترجمة فورية لخمس
(1) انظر تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) عند سورة المائدة آية رقم: 51.