فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 613

ولذلك هنا يحضرني من عقلية عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- العجيبة الفذَّة أنه لما فُتحت العراق وقُسّمت الغنائم، وجد أنّه لو قسّم سواد أراضي العراق -كل هذه الأراضي الزراعية- على القوَّاد، فمن أين يأكل الناس؟ وماذا سيبقى للمسلمين؟ فقسَّم عليهم غنائم الفتح، أما سواد العراق فله -رضي الله عنه- فيه كلام عظيم جدًا، قال القائل: سمعت عمر -رضي الله عنه- يجمع الصحابة لينظروا في أمر هذه الأموال والأراضي.

فلو وُزّعت هذه الأراضي الكثيرة على 40 واحدًا لصاروا إقطاعيين، واحد يمسك لبنان، وواحد يمسك نصف سوريا والآخر يمسك ربع العراق، فكيف بباقي أهل الإسلام؟ مع أنّها لم يكن فيها نفط بل هو توزيع لغنائم الحروب فقط، هذه المدن والقرى والأراضي فيها موارد.

من أسباب حرب الخليج أنه يوجد في جنوب العراق 30 مليون شجرة نخيل مثمرة، من أفضل أنواع التمور، فمال عليها القصف وأحرق كثيرًا منها؛ لأن التمور لوحدها تشكّل غذاءً كاملًا، في الحديث قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (أَكْرِمُوا عَمَّتَكُمُ النَّخْلَةَ، فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الطِّينِ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ آدَمُ، وَلَيْسَ مِنَ الشَّجَرِ يُلْقَحُ غَيْرُهَا) [1] ، فيها تركيب الإنسان، فهذه أحرقوها.

فلما فُتحت كل هذه الأراضي ووجد عمر النيل والفرات وكل هذه الأراضي، جمع الصحابة وقال:"اجتمعوا لهذا المال فانظروا لمن ترونه، وإني سمعت الله يقول: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [2] إلى قوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [3] ، وقوله: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ} [4] ، إلى قوله: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ} [5] ،"

ثم يقول: والله أن هذا المال المذكور في الآية للمؤمنين الصادقين، فقد ذكر في الآية المهاجرين والأنصار، ثم الذين جاؤوا من بعدهم"؛ فاستنبط بدقة فقهه -رضي الله عنه- وعقليته العجيبة،"والله ما من أحد المسلمين إلا له حق في هذا المال أُعطي منه أو مُنع، حتى راعٍ بعَدَن" [6] ، حتى الراعي الجالس في عدن ليس له علاقة بالفتوح، له حق في هذا المال الذي خرج من فتوح العراق، وذراريهم لهم حق في هذا المال."

لأنه من أكبر الفساد الذي نزل في بلاد المسلمين -كما ذكرت لكم- هو سوء توزيع الثروة؛ زرع الأحقاد، وزرع الغنى فأبطر في مكان، وزرع الفقر في مكان آخر، وكاد الفقر أن يكون كفرًا، ناس كفرت بالغنى وناس كفرت بالفقر لسوء توزيع الثورة.

(1) مسند أبي يعلى الموصلي (455) ، يقول المحقق حسين سليم أسد: إسناده ضعيف.

(2) سورة الحشر، الآية: 6.

(3) سورة الحشر، الآية: 8.

(4) سورة الحشر، الآية: 9.

(5) سورة الحشر، الآية: 10.

(6) روى الشيخ هذه الآثار بالمعنى، انظر (كنز العمال) للبرهان فوري عند باب أحكام الجهاد-الأرزاق والعطايا، ومن هذا (11655) : عن عمر قال: لولا أن أترك الناس ببانا ليس لهم شيء ما فتحت علي قرية إلا قسمتها كما قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت