ثم لما تأتي لتجاهد وتقول للناس: أنتم تجاهدون بشكل خاطئ، هذا ضياع للوقت أو ضياع للمفاهيم، فتصبح غريبًا بين المجاهدين. فتتنقل من غربة إلى غربة إلى غربة.
فهذه المعاني حتى يتشجع الإنسان ولا ييأس، وحتى يشعر بعظمة الانتماء إلى دين الغرباء وبشائر الرسول -صلى الله عليه وسلم-. طالما أنه مقتنع أنه على صواب يجب عليه أن يتحمَّل، وأن يدعو إلى الله -سبحانه وتعالى- بالحكمة والموعظة الحسنة، مع من هم أهل الهدى، ثم يدعو الآخرين بما يناسبهم من السيف والقتال.
فلذلك كما تلاحظون هو حالنا والحمد لله في هذه الأمة، ومما لفت نظري ما ذكرته عن الإمام مؤلف الرسالة من قضية السكوت عن أهل الباطل، لأنه في كثير من الأحيان عندما يعجز معك أهل الباطل يقولوا لك:"اترك الحق"، فيراك لم تتركه، فيقول لك:"ابقَ في الحق بنفسك، وأعرض عن نقد مذاهبنا".
ولذلك قال الإمام أحمد أن من يعلم وكان رأسًا في الدين لا تجوز له التقية، وقال في محنته:"إذا تكلم الجاهل والعالم يسكت تُقيةً فمتى يُعرف الحق؟!"، فما أجاز التُّقية والسُّكوت لمن يعرف الحق.
ولذلك قاطع بعض علماء عصره ومنهم أئمة أجلاء مثل ابن معين من أئمة أهل الحديث، هو توارى في الفتنة ولم يأخذ بالعزيمة ولم يبيَّن للناس، فكان الإمام أحمد لا يسلّم عليه بعد الفتنة، فجَهِد أن يُسلّم عليه ويصطلح معه فلم يُسلِّم عليه، فحاول أن يُرقّق قلبه وجاء يُسلِّم عليه وقت الوفاة والإمام أحمد يحتضر -رحمه الله-، فجاء ينتهز الفرصة لعله يصطلح معه ويسلم عليه، فأدار وجهه ولم يردَّ عليه السلام، فقال: يا إمام أما قال الله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [1] ؟ فأشاح بوجهه وما أجابه، فخرج يحيى بن معين يبكي من الأسى، فالتفت الإمام أحمد للناس وقال:"يقول لي: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ} ، ولم يُضرب في الله سوطًا واحدًا!"، فكيف أُكره؟!
لذلك هذه المعاني يجب عبر المحاضرات والدروس -إن شاء الله- أن نُحييها في نفس من يجاهد نفسه ليكون من الغرباء.
وخاصة في زمن الدَّجل والزَّيغ والزَّعامات المزيفة والأسماء الكبيرة والحركات والأضواء التي تُسلَّط: (هذا من كبار العلماء) ، و (هذا من كبار الدعاة) ، ولو جئت تحقِّق في هذه الدَّعاوى معظم ما تجده من هؤلاء الناس يدور تحت ما يسمَّى: (دعاة على أبواب جهنم) ، الأسماء الكبيرة والمؤتمرات، وهذا ضمن ما يُنسب إلى الحق، فما بالك بما يُنسب إلى الباطل علنًا أصلًا!
(1) سورة النحل، الآية: 106.