فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 613

سلَّم سفيان ورآه قال:"نعوذ بك اللهم من شر طارق إلا طارق يطرق بخير يا رحمن"، لما رأى ساعي الخليفة.

فرمى له الرسالة فتباعد منها كما يتباعد الإنسان من العقرب، وقال لهم: انظروا ما فيها، فأخذوها وقرأوها فأمسكها بطرف ثوبه ولم يمسكها مباشرة، فقرأ فيها:"أني هارون الرشيد قد وليتُ الملك ودعوت الصلحاء والعلماء، وآسفني أني ما رأيتك بينهم، وأكرمتهم وأعطيت هذا كذا، وهذا كذا، ولو كنت موجودًا لأكرمتك ..".

يعني رسالة تغريه ليأتي، فقال لهم:"اكتبوا لهذا الظالم على ظهر كتابه، سنشهد عليك كما شهدت أنت على نفسك بأنك هجمتَ على بيت مال المسلمين، أخذت مالًا ووزّعته"، فكتب له رسالة تعنيف، وأخبره أن هذه آخر مرة تبعث لي بالكتب.

وبعد أن رأى السَّاعي وكان رئيس القوات الخاصة هذه القضية بهذه الصورة، فذهب وباع أسلحته وأموره واشترى لباسًا من الصوف والتحق بالصالحين، فلما رآه سفيان بلباسه قال لهم:"فاز الرسول وخاب المرسِل"، انظر من فقهه أن الرسول دخل في أهل القرآن والصالحين وترك أهل السلطان، وهو بقي على هذه الحال.

ورغم ما نسبوه إليه من الظلم والجور كان هارون الرشيد يحجّ سنة ويغزو سنة.

ومن معالم الدولة في تلك المرحلة أنه كان هناك إمبراطورة للروم -والقصة مشهورة-، وكان النّزاع بين الإمبراطورية العباسية الإسلامية، وكان كل من يريد الغزو ويريد الجهاد يذهب إلى هذه المنطقة: شمال العراق، بلاد الأكراد، شمال سوريا، طرطوس، لواء الإسكندرون، هذه المناطق.

فكانت إمبراطورة الروم في بيزنطة امرأة تدفع الجزية لهارون الرشيد، ثم جاء من بعدها رجل اسمه (نقفور) وهو رجل عسكري انقلب عليها وأخذ الحكم، فأرسل إلى هارون الرشيد يقول له:"علمتَ سفه النساء، وكانت من قبلي ترسل لك الجزية وهذا من قلّة عقل النساء، فكل الجزية التي دفعتها لك اجمعها وتردّها لي أو نأتيكم بالحرب".

فكتب له هارون الرشيد:"من هارون الرشيد إلى نقفور كلب الروم، بلغني كتابك يا ابن الفاجرة، والجواب ما ترى لا ما تسمع"، وركب في الغزو إلى نقفور. فهذا كان وضع المُلك في تلك المرحلة.

والقصد أنه لما وصلت القضية لهارون الرشيد كانت الدولة في قمة القوة وقمة العلم؛ عندما تقرأ في كتب الطبقات تجد تلك الفترة وهي نهاية القرن الهجري الثاني تجدها مرحلة ازدهار؛ عبد الله بن المبارك عاصر هارون الرشيد وكان من فقهاء المرحلة ومن غزاة المرحلة، هو كان يغزو في مرحلة هارون الرشيد. وهناك كتاب لا أذكر من كتبه، عبارة عن سلسلة (سلسلة الأعلام) أو شيء من هذا القبيل، كتب فيه عن أبي حنيفة، وعن عبد الله بن المبارك فسيرته تُقرأ جميلة جدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت