لما تكون المفاضلة للدين، تكون المفاضلة هكذا، بعض الناس قالوا لي:"كيف نعيش هنا والأحوال كذا وكذا؟!"، قلت له: أنت تقدّم الرفاهية والكرامة على الدين، هنا تحفظ دينك ويمكن أن تُهان، وفي أوروبا يذهب دينك وتحفظ كرامتك، فرعي الإبل ولا رعي الخنازير، لهذه العبرة ذكرت هذه القصة.
فقال لهم ذلك، فجاء جيش المرابطين وجاء يوسف بن تاشفين، وانضموا إلى جيش ابن عبَّاد وتوحّدوا في معركة الزلاقة ضد النصارى، وسَحَقَ المسلمون النصارى في معركة مشهورة عجيبة جدًا، ثم امتدَّ مُلك الإسلام في الأندلس بعدها أربعمائة سنة.
فكان موقفًا صحيحًا للرجل الذي فضَّل رعي الإبل على رعي الخنازير، وكان من المناقب أن يوسف بن تاشفين بعد المعركة جمع جيشه وأقسم عليهم ألَّا يأخذوا شيئًا من الغنائم ثم رجع إلى المغرب، فلم يحصل ما خافوا منه.
نرجع إلى مرحلة أبي جعفر المنصور، هذه المرحلة هي المرحلة الذهبية لصعود الدولة العباسيّة، ثم جاءت مرحلة ضعف الخلافة التي بدأت سنة 632 هـ أو 635 هوانتهت بسقوط بغداد في 656 هـ.
المهم أنها بلغت الذروة في عهد هارون الرشيد وامتدّ الملك من أقصى الصين إلى أقصى المغرب، وأسرد لكم قصتين حتى تروا عظمة الملك:
تعرفون القصة المشهورة عندما مرَّت غيمة فوق هارون الرشيد، فمضت ولم تُمطر فحزن الناس لاحتياجهم للمطر، فهارون الرشيد تحدَّى الغيمة وقال لها: أمطري حيث شئتِ فسوف يأتيني خراجك؛ ذهبت شرقًا أو غربًا ستمطر ويخرج الزرع، وحصيلة هذا الزرع سيرجع إلى بيت المال، فأمطري حيث شئتِ الملك كبير وممتدّ من الصين وإلى آخر أفريقيا.
وأما على الصعيد العسكري فكانت الدولة قوية خلافًا لما يُشاع، مع أن هارون الرشيد عند علماء عصره الصالحين يعدّ من ملوك الجور، فسفيان الثوري رفض أن يكون في حاشية أبي جعفر المنصور أو الهادي أو المهدي، وله مساجلات معهم.
ومرة بحث عنه الهادي وأتى به، فقال الناس يحكم عليه، فلما جاء بين يديه قال له: ماذا تريد مني؟ قال له: ولَّيتك القضاء، وأعطاه كتاب تولية القضاء، قال له: خيرًا، أنظر في الأمر، فتبعه الناس، فسألهم الهادي هل نشره؟ قالوا له: رماه في دجلة، ورجع إلى الصحراء مرة أخرى. هذا في مرحلة الهادي، وفي مرحلة المهدي نفس الشيء.
أمّا في مرحلة هارون الرشيد؛ كان هارون الرشيد فترة صديقًا لسفيان ودرس معه عند نفس المؤذن ونفس الشيخ، فأرسل له رسالة رائعة جدًا موجودة في الكتاب الذي ذكرته لكم (الإسلام بين الحكام والعلماء) لعبد العزيز البدري.
فذكر هذه القصة من ضمن القصص، أنه أرسل له كتابًا يقول له قد آل الملك إليّ، وعملت حفلًا كبيرًا جدًا، وبعث الرسالة مع رئيس الحرس الملكي، رجل يخاف منه الناس خوفًا أعمى، فبحث عنه في الصحراء فلما وجده جاء ودخل المسجد، فلما رآه وجده يصلّي مع الناس، فلما