أمسكوا الناس على مفارق الطرقات، وهل أمسكوا العلماء فسألوهم: تقولون بالبدع أم نذبحكم؟ بل هم مبتدعون لوحدهم، ويدافعون عن دين الله، ولا يجبرون أحدًا على بدعتهم.
فقلت: ما رأيك في بني العباس الذين كانوا يمسكون الناس على الطرقات ويمتحنوهم إما بالقتل أو الضرب أو القول بخلق القرآن وهي بدعة مكفّرة. مع ذلك سئل الإمام أحمد فكان يصلي ويغزو ويحج مع المأمون، ويأمر الناس بذلك، وعندما استُشير في الخروج على المأمون عندما أراد أحمد بن نصر الخزاعي الخروج عليه، لم يُجِز ذلك، وعندما قُتل ترحَّم وبكى عليه، بمعنى أنه كان راضٍ عن عمله ولكن لم يرَ الخروج عليهم.
ولما سألوه عن الغزو مع بني العباس في زمن المعتصم، وهم يفعلون كذا وكذا، روى ابن قدامة قال: لما سئل الإمام أحمد قال:"سبحان الله مثبّطون قَعَدة جهّال"؛ الذين منعوا الغزو مع بني العباس لأجل بدعة،"ماذا كانت تفعل الروم لو تُرك الغزو مع بني العباس؟".
والشاهد الآخر: عندما فُتحت عمورية على يد المعتصم أُثر عن الإمام أحمد:"اللهم إني أحللته من ضربي لما فُتح على يديه للمسلمين"، وانظر لما فعله المعتصم وعذّبه بنفسه، لو عُمل بك ستكفّره إلى يوم يُبعثون، فلما فُتح عليه للمسلمين أحلَّه من إثم ضربه؛ لأنه فُتح عليه في دفع البلاء عن المسلمين، فهذا أحد الشواهد التي ذكرتها في كتاب (أفغانستان والطالبان ومعركة الإسلام اليوم) ، فكان في صدر الأدلة كلام الإمام أحمد في الغزو مع بني العباس وفيهم هذه البدعة المصيبة. فعندما ترى انحرافات بني العباس وبني عثمان ودول الطوائف تجد أن الطالبان والأفغان من أهل خير القرون بجانبهم.
الشاهد، أن الإمام أحمد امتُحن في زمن المعتصم، ثم ذهب المعتصم، فجاء الواثق بالله واستمرّت المحنة. ثم حصلت مناظرة بين أحد العلماء، بعض الكتب تذكر اسمه، وبعضها تذكر أنّه شيخ من (أضنة) ، وهي مدينة في شمال تركيا بين حلب وإسطنبول في الوسط.
ففي السّير مذكور أن شيخًا من أضنة ناظر أحمد بن أبي دؤاد -الذي قاد المحنة- وجماعته أمام الواثق، وانتهت المحنة لما اقتنع الواثق بهذه المناظرة.
لما جاء شيخ من أضنة يناظر أحمد بن أبي دؤاد، كان قد مات وعُذّب علماء كثيرون جدًا، فجعل الله انتهاء هذه المحنة على يد هذا الرجل، مع أن الإمام أحمد هو المشهور بمواجهة المحنة، ولكن من واجه المحنة والفتنة ليس الإمام أحمد فقط، إنما طبقة من العلماء، ولكن ذُكر العَلَم الأساسي الذي استندت الناس إليه.
المهم أن خلاصة المناظرة أن سأله الشيخ: أمر خلق القرآن هل علمه رسول الله أم جهله؟ قال له: علمه، قال له: هل قال به أم سكت عنه؟ قال: سكت عنه، فقال: أمر وسِع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يسكت عنه ألا يسع أمير المؤمنين؟ فسكت، فقال له: يا أمير المؤمنين هذه واحدة، ثم سأله هل علمه أبو بكر وعمر، وعدَّ الخلفاء.
وفي النهاية قال له: يا أمير المؤمنين أمر وسِع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يسكت عنه، وأبا بكر وعمر كذلك، فلا وسَّع الله على أمير المؤمنين إذا لم يسعه ما وسع الرسول -