زحف النصارى وأخذوا سواحل الشام، النصارى نزلوا أول مملكة التي سموها إمارة الرها وهي منطقة لواء الإسكندرون. ثم نزلوا وأخذوا سواحل لبنان وسوريا وفلسطين إلى صحراء سيناء، وقام الجهاد هنا، وإن شاء الله أحكي لكم بالتفصيل في الحملات الصليبية، أنه قامت الدولة الزنكية بعماد الدين زنكي، ثم ابنه نور الدين الشهيد زنكي، من ملوك المسلمين الصالحين، وهذه الدولة وحَّدت سوريا ووحَّدت الممالك، ووصلت إلى شمال العراق في الموصل، ثم أخذت الأردن إلى أطراف فلسطين، ثم أصبحت بلاد الشام يحكمها الدولة الزنكية.
والدولة الزنكية أفرزت الدولة الأيوبية، والدولة الأيوبية أفرزت دولة المماليك -كما سنشرح-، وهذه الدول الثلاثة: الزنكية- الأيوبية-المماليك، هي التي قادت القتال ضد الصليبيين، ثم المماليك ضد التتار.
أما في الشرق فزحف التتار ودخلوا بغداد، وكانت الخلافة قد بلغت درجة من الفساد وأصبح الشيعة هم وزراء البلاط، وكان وزير البلاط هو ابن العلقمي الشيعي المشهور، وهو الذي سلَّم مفاتيح بغداد لهولاكو. ويكفي أن تعلم من فساد الخليفة -كان اسمه المستعصم بالله آخر خلفاء بني العباس- أنّه بينما كان القتال يدور على أسوار بغداد مع التتار، دخل سهم من شباك القصر فقتل راقصة ترقص بين يدي الخليفة، فبكى عليها وأمر بنسج أستار لا تخترقها السهام، فانظر كيف كانت حالة البلد!
فسقطت البلد، وكان أول ما فعلوه أن أخذوا ثلاثة من بنات الخليفة سبايا لأولاد هولاكو، {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ} [1] ، وذُبح من العلماء ومن البشر ما يشيب له الولدان، ويكفي أن تقرأ لابن كثير حتى تعجب، ولكن تطمئن أننا لسنا في أسوأ حال الآن، كان هناك حال أسوأ وبعد ذلك حدثت نهضة، فهذا يبشّر أنه من الممكن أن تحدث نهضة.
فذُكر عن التتار ودخولهم بغداد أنّ أول شيء فعلوه أنّهم قتلوا ألفا ألف خلال الأسبوع الأول، أي: مليونيّ نسمة، ورُميت الكتب في دجلة حتى اسوَّدت المياه ثلاثة أيام من الحبر، ثم رُمي من الدم وذُبح في بغداد حتى صار ثلاثة أيام أحمر. وذكر ابن كثير من الروايات ما تجعلك تعجب! هل من المعقول أن يفعل بشر هكذا؟!
يُقال أنّ واحدًا من فرسان التتار أخذ مائة أسير من المسلمين، وقال لهم: سأذبحكم، فدبّ فيهم الرعب، فلم يجد سيفه، فقال لهم: ابقوا في مكانكم حتى آتي، فذهب وأتى بالسيف ورجع فوجدهم مكانهم، ما حملتهم أرجلهم من الرعب على الفرار، فذبحهم واحدًا واحدًا!.
وقصص عجيبة جدًا، تقرؤها في ابن كثير، وتعجب هل من المعقول أن البشر قد وصلوا إلى هذا الهزال! ولكن كانت قد دخلت فيهم الدنيا والمال والجواري حتى أصبحوا في هذه الحال.
وبعد ذلك ذهب التتار إلى الممالك الأخرى، فكان الناس قد هربوا من التتار في الأقبية والقبور وفي كهاريز الماء، فبقوا فيها أيامًا حتى خرجوا منها وشكلهم أقرب إلى الأموات من الأحياء،
(1) سورة هود، الآية: 102.