وعاصر هذا الرجل سلطان العلماء العز بن عبد السلام، وكان هو الذي حرَّض المسلمين معه على القتال، وطلب منه فتوى أن يأخذ أموال المسلمين حتى يجاهد، فقال:"لا أبيحك حتى تأخذ أموالك وأموال الأمراء". فجمع أموال الأمراء واستولى عليها غصبًا بفتوى الشيخ، وجهز الجيش ثم بدأ يأخذ من أموال المسلمين.
وكان من الخطط الجميلة التي قام بها أن ملك التتار أرسل يهدد قُطز لتسليم مصر، يقول له أخذنا الشام وسنأتي لنأخذ مصر فارحلوا عن مصر قبل أن نصل، كما رحل الذين قبلكم عن الشام، وبعث الرسالة مع اثني عشر شخصًا من التتار ضخام الجثث حتى يرهب المسلمين.
فدخلوا القاهرة، سلموا الرسالة ثم مشوا في الأسواق، فاستفتى قطز العلماء ورأى أن هؤلاء عرفوا مداخل ومخارج القاهرة وأوقعوا الرَّهبة في نفوس المسلمين، حتى كانوا يظنون من شدة الرعب أن التتار لا يموتون، فطلب منهم فتوى بقطع رؤوس الرسل، مع أن الرسل لا تُقتل، لكن هذه هي الحال، فأجازوه.
فقطع رؤوسهم وعلقها على أبواب القاهرة، وترك رسولًا واحدًا، وكتب له في الرسالة:"من قطز أمير المسلمين إلى ملك التتار، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {ارجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} [1] ."
وأُعجبتُ بهذه الرواية وكتبتها في آخر إهداء كتاب (التجربة السورية) ؛ فنحن يجب أن نسعى إلى أن نرجع إلى حكّامنا بجنود لا قِبل لهم بها -إن شاء الله-. وحدثت موقعة عين جالوت وهُزم التتار، وكانت نهايتهم.
وعلى سيرة التتار هناك أمر مهم جدًا في تاريخ الإسلام، يجب أن تعرفوه؛ بعد أن انكسر التتار هنا اختلطوا بالمسلمين وكانوا قد جاؤوا بلا أديان، ففشا فيهم الإسلام، فهم جاؤوا ليغزوا بلاد الإسلام فغزاهم الإسلام، وكان لهولاكو أربعة أبناء [2] ، واحد منهم كانت قبيلته تسمى القبيلة الذهبية، دخل الإسلام، فأسلم نصف التتار وبقي نصف على الوثنية.
فعزى مسلمو التتار أولاد عمّهم وإخوانهم الكفار، ففشا الإسلام في التتار، ووجَّهوا جهدهم بعد ذلك نحو وسط آسيا، فنشروا الإسلام في الصين، وصعدوا إلى منطقة تتارستان الموجودة في الاتحاد السوفييتي، وبنوا ممالك إسلامية.
ومن الأشياء العجيبة التي عرفتها مؤخرًا، أن التتار لما خرجوا وفتحوا هذه الممالك وأدخلوا الإسلام إلى بكين وحكموا بكين فترة، وكان هناك ملوك مسلمون أدخلوا الإسلام في تلك المناطق، وطبعًا الآن في التبت هناك أكثر من 140 مليون صيني مسلم، منهم 40 مليون في تركستان، ومائة مليون موزّعون في التبت، هؤلاء من أحفاد التتار.
(1) سورة النمل، الآية: 37.
(2) بل هؤلاء هم أبناء جنكيز خان، وكان هولاكو حفيد جنكيز خان.