فتمازجت هذه الأفكار وتصارعت من 1987 إلى 1992 تقريبًا. في نهاية 1990 حصل زلزال، لا أقول في الحركة الجهادية أو الإسلامية بل زلزال على مستوى المسلمين قاطبة، وعلى مستوى التاريخ قاطبة، حيث بدأت الحملة الصليبية الثالثة ونزل اليهود والنصارى جزيرة العرب.
فنتيجة هذا النزول أخذت الأمة الإسلامية ضربة شديدة في رأسها فلم تصحُ، والضربة الأخرى أن هذه الحملة كشفت عن هُزال المسلمين، فلم يبدر منهم أي مقاومة لهذه الحملة! حصلت حملات صليبية من قبل وقاومها الناس؛ الحملات الصليبية الأولى في القرن الحادي عشر قاومها الناس، دخل الروس فقام الإمام شامل، ودخلوا فلسطين فقام عز الدين القسام، فكانت هناك بوادر حياة في كل المناطق؛ عبد الكريم الخطابي، عمر المختار، إلخ من التاريخ الذي تعرفونه وتجهلونه.
فدخل اليهود والنصارى إلى عقر دار الإسلام، فتحركوا ورقدوا وأخذوا النفط، وأحضروا بناتنا للترفيه عن جنودهم، ومصائب سمعتم عنها في الأخبار، شيء يشيب له الولدان، والأمة ساكنة، وكأن شيئًا لم يحصل!
فكشف الحال عن هزال عجيب جدًا في الأمة.
الأمر الآخر في الصدمة: كشف الحال أن الهيكل الديني لأهل السنة أهزل من الأمة، بل هو سبب هزال الأمة، علماء المسلمين قاطبة لم يتكلَّم منهم أحد، الشجاع البطل كان في مرتبة الشيطان الأخرس ولم يتكلَّم، والذي تكلَّم تقاسمه معسكران:
دعا الملك فهد بن عبد العزيز إلى (مؤتمر مكة) ، فكانت الدعوة موجهة إلى 412 عالمًا، فكان عدد الحضور 398، يعني نسبة الحضور 95 بالمائة! فحضر كل الهيكل الديني لأهل السنة، كل ما يخطر على بالك من أسماء؛ هيئة كبار العلماء كلها وأتباعهم من طلبة العلم، مشيخة الأزهر كلها -بالعشرات-، كل من يدعى (مفتي دولة) من اليمن والمغرب إلخ، علماء الإخوان المسلمين كالقرضاوي والغزالي والغنوشي، أبو الحسن الندوي -عليه رحمة الله-، قادة الحركات، الكل حضر!
طبعًا نزلوا من الطائرات واستقبلوهم على البساط الأحمر ونقلوهم إلى قصر الرئاسة، واجتمعوا. بماذا خرجوا؟
خرجوا بأن احتلال الحرمين جائز لأنه استنصار بالدول الصديقة -اليهود والنصارى- من قِبل دولة التوحيد الوحيدة في العالم، وأُفتي رسميًا باحتلال الحرم بوجود اليهود والنصارى! ليس هذا فقط بل اعتبروهم مستأمنين لا يجوز العدوان عليهم.