فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 613

فلم يكن الاستعمار في الحملات الثانية غبيًا مثل الحملات الأولى حيث قام باحتلال عسكري فقط، فانهزم عسكريًا ولم يبقَ له أثر. بينما في الحملات الصليبية الثانية كان له ثلاثة جهود؛ جهد عسكري وثقافي واقتصادي. وهذا البحث لعله من أهم الأبحاث التي سنتكلم عنها فركزّوا معيّ جيدًا.

طبعًا الآن نريد أن نتكلم عن بعض الأمور التي استقرت عندنا أنها من الخير ولكن ليس هناك خير من ورائها، هذا الذي أنتم تظنونه خيرًا نكب المسلمين في مرحلة من المراحل، والآن أقول لكم كيف ..

فنحن انهزمنا هزيمة ساحقة تحت مجوعة من الأفكار والمعتقدات والأيدولوجيات، فأول أمر أريد أن نعيد التفكير فيه الآن هو أن نراجع المبادئ التي عملنا على أساسها، فما كان من صواب نُبقي عليه، وما كان خطأ نُرجعه للصواب، فلا بد من البحث. وكما قلت لكم الطريقة الصحيحة أن نضع الحركة الجهادية على طاولة الدكتور وننظر في هذا التيار الجهادي فنبحث عن الخطأ والمرض والعطل في مخه أو قلبه أو حركته.

فالآن يجب أن نفهم هذه المعادلة؛ كان لاستعمار (1800 - 1972) م جهد عسكري؛ احتلال مباشر علني، جنود إنجليز، جنود طليان، جنود فرنسيين. وكان له أيضًا جهد ثقافي وهذا مهم جدًا؛ جامعات، إرساليات، هذا الجهد الثقافي ولَّد عندنا أفكارًا علمانية وافدة أفرزت بعدها أحزابًا علمانية؛ فوُلدت الاشتراكية والديمقراطية والشيوعية والقومية العربية. الأمر الآخر الذي قاموا به تحت الجهد الثقافي أن اختاروا عملاء، فحدَّدوا من العملاء الذين من الممكن أن يستفيدوا منهم.

وكان لهم في المنحى الثالث جهد اقتصادي، الجهد الاقتصادي يقوم على أمرين أساسيين فلا تنسوهم: نهب ثروات، وبيع منتوجات. فرنسا تمرّر كثيرًا من إنتاجها للمغرب والجزائر، بينما 90% من العمّال في إنتاج فرنسا هم من إفريقيا السوداء، فهناك أربعمائة مليون جندي يشتغلون ويأكلون ويشربون على مردود مصانع فرنسا، فهي تعيش على هذا البيع. إنجلترا تصنع وتبيع في كل الدنيا، وكذلك أمريكا وتبيع هنا. وانظر فقط لواردات شركة (كاتربيلر) كم تبيع يوميًا، أو واردات شركة (سيات) .. إلخ.

فهذا الجهد بدأ من هنا، وكان أكبر نجاح نجحوا فيه خلال الجزء الثاني من الحملة الصليبية الثانية (1800 - 1972) م، يعني خلال 175 سنة تقريبًا؛ هو في الجانب الثقافي، فصنعوا طبقة تفكر بطريقة عميلة وتخون الأمة لصالح المستعمر، لأنهم علموا أن الاحتلال العسكري سينتهي عاجلًا أو آجلًا بفعل المقاومة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت