فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 613

فعلها من باب حسن النية ومن باب الديكتاتورية -نسأل الله المغفرة لنا وله-، ولكن لا أستطيع أن أتغافل عما فعل؛ لأنني عندما أتكلم لا بد أن أبيّن الحقيقة.

وكذلك الأمر عندما أتكلم عن عدنان عقلة -جزاه الله خيرًا وكثّر من أمثاله- وهو كان أميرنا في الجهاد واشتركت معه، ولكن كانت هناك أخطاء عسكرية في ممارسة الجهاد في سوريا، فلو أردت أن أصوّب هذه الأفعال فستصبح سُنّة لمن سيجاهد في مصر أو في العراق أو في الأردن، فسيقع في نفس المصيبة، فيجب أن أشير لها. قد تقول لي:"يا أخي الرجل من أهل الله"، ولكن ممارساته العسكرية في هذه القضية كانت خطأ.

وقضية التعصّب هذه قضية قديمة جدًّا مع بداية البشرية؛ يعني مما يُروى ويؤلم جدًّا أن الإمام الطبري إمام التفسير وإمام الفقهاء وإمام أهل الحديث وإمام التاريخ وإمام الأئمة في زمانه، والتفاسير يعود معظمها للطبري، التواريخ يعود معظمها للطبري. قال هذا الرجل مرة:"الإمام أحمد محدّث فقط وليس فقيهًا!".

فقام الحنابلة وطيّنُوا عليه بيته وسدوا المنافذ والشبابيك؛ فخنقوه في البيت، وغُمَّ عليه أربعة أيام حتى أخرجه تلامذته، وقيل أن الناس فتحوا عليه البيت وقيل أنه تُوفّيَ في بيته، وعندما تُوفي لم يقدر أحد أن يخرج في جنازته، فدفنه بضعة عشر شخصًا وهو إمام الأئمة في عصره. وقس على ذلك باقي التعصّب الذي خرج على مدى التاريخ، قصص كثيرة.

فصار الواحد مرعوبًا أن يقول: هذا صحيح وهذا خطأ. وهذا أصلًا خلاف الدين وخلاف التنزيل؛ {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [1] ، فالناس يجب أن تكون حرّة، فيخرج بأدب العلم وبأدب الخلاف فيقول ما يشاء ثم يردُّ عليه من يشاء، ويأخذ وقته ويأخذ فرصته.

فهذا الكلام أصبح من أهم أسباب التخلّف، أنه هناك رعبًا وإرهابًا، ولا يستطيع أحد أن يقول رأيه، فيُقال لك:"هل أنت أفهم من فلان؟ أنت أفهم من علان؟".

فعلم سيد قطب هذه المشكلة فقال:"إن تبرئة الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج". فإذا أردت أن أبرّئ فلانًا وعلانًا لا يجوز لي أن أشوّه المنهج فهو أمانة عندنا من الله -سبحانه وتعالى-، فليس لي أن أشوّه هذا المنهج.

وفي الحديث عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا ينبغي لامرئ شهد مقامًا فيه مقال حَقٍّ إِلَّا تَكَلَّمَ بِهِ، فَإِنَّهُ لنْ يقَدَّمَ أجله، ولن يَحْرِمه رزقًا هو له) [2] .

(1) سورة آل عمران، الآية: 186.

(2) أخرجه الغزالي في (إحياء علوم الدين) (ط دار المعرفة-بيروت 2\ 309) ، جاء في (تخريج أحاديث إحياء علوم الدين) (2033) ، قال العراقي:"رواه البيهقي من حديث ابن عباس بسند الحديث الذي قبله وروى الترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث أبي سعيد لا يمنعن رجلًا هيبته للناس أن يقول الحق إذا علمه اهـ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت