فإذا كان هناك حق فعليك أن تقوله، فهذا لن يقصّر من عمرك يومًا ولن يقلل من رزقك؛ لأن كل أسباب الجبن والنفاق والكفر والضلال هي في هذين الأمرين؛ محاولة ابن آدم في مدّ عمره وزيادة رزقه، حتى يجيء رجل ويأخذ زوجته لمدير الشركة حتى يزيد له المُرتَّب، هتك عرضه من أجل المال!، أو يرفع تقريرًا عن فلان وعلان في المسجد إما طلبًا للمال أو خشية أن تُقصِّر الدولة عمره.
فكلّ النفاق والكفر مَردُّه إلى حرص الإنسان على زيادة رزقه أو زيادة أجله، ولذلك جاء في أصول العقيدة عندنا أن الرزق محسوم، والأجل مكتوب، حتى قال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَطْلُبُهُ رِزْقُهُ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ) [1] .
فتجد في العقائد أمورًا بسيطة ومعروفة ولكن أصبحت مَنْسِيِّة في هذه الأمة؛ فتجد الإنسان يسكت ليُرضي فلانًا أو علانًا، وظهر النفاق حتى في أوساط الصحوة، ثم ظهر في أوساط الجهاد، فحتى في الجهاد تجد من الأمراء من يقرّب أحدهم ويراعي شخصًا لسبب من الأسباب وليس لأنّه أنفع للدين وللأمّة، فهذا من باب أن تبرئة الأشخاص أصبحت تساوي تشويه المنهج، ونرجع فنقول أن تبرئة الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج.
وأنا سأتناول في البداية إمامنا وأستاذنا وشهيدنا وتاج رأسنا سيد قطب -رحمة الله عليه-، سأتناوله هو نفسه بقوله، وأنا قرأت كثيرًا في كتب سيد قطب فوجدت أن في بعض آرائه مصطلحات عامّة بإجمالها صارت متكأً للغلو في التكفير.
أضرب مثالًا واحدًا من هذا الكلام وهو في تفسير سورة الأنعام في قول الله -سبحانه وتعالى-: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} ؛ تكلّم كلامًا عظيمًا جدًّا كعادته، ولكن قال في النهاية:
"حتى يُصبح الجهرُ بكلمة الفصل تهمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام؛ تهمة تكفير المسلمين ( ... ) يجب أن تبدأ الدعوة إلى الله باستبانة سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين."اهـ [2]
فظاهر كلامه أنّنا يجب أن نبدأ من تكفير المسلمين! هكذا قال بهذا الإجمال، وطبعًا أنا أعرف ماذا قصد من دراستي لسلوكه وحياته وكيف عمل وكيف يتحرّك، ولكن صرت آتي لأناقش
(1) المعجم الكبير للطبراني (2737) .
(2) يقول سيد قطب -رحمه الله- في (الظلال) :"حتى يصبح الجهر بكلمة الفصل تهمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام! .. تهمة تكفير «المسلمين» !!! ويصبح الحكم في أمر الإسلام والكفر مسألة المرجع فيها لعرف الناس واصطلاحهم، لا إلى قول الله ولا إلى قول رسول الله! هذه هي المشقة الكبرى .. وهذه كذلك هي العقبة الأولى التي لا بد أن يجتازها أصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل!"
يجب أن تبدأ الدعوة إلى الله باستبانة سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين .. ويجب ألا تأخذ أصحاب الدعوة إلى الله في كلمة الحق والفصل هوادة ولا مداهنة. وألا تأخذهم فيها خشية ولا خوف وألا تقعدهم عنها لومة لائم، ولا صيحة صائح: انظروا! إنهم يكفرون المسلمين! إن الإسلام ليس بهذا التميّع الذي يظنه المخدوعون! إن الإسلام بيّن والكفر بيّن .. الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله- بذلك المدلول- فمن لم يشهدها على هذا النحو ومن لم يقمها في الحياة على هذا النحو، فحكم الله ورسوله فيه أنه من الكافرين الظالمين الفاسقين .. المجرمين .. «وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ، وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ» "اهـ."