وأصبحت كلها استنكار علينا، صحيح قد يكون هذا من قول الحق، وقد يكون له وجه، وقد يكون الرجل مجتهدًا له أن يقول ذلك، حتى أن أحد علماء السلف قالوا له:"مالك قال كذا"، فقال لهم:"يُستتاب وإلا يُقتل ردّةً"، يتكلم عن الإمام مالك! [1] .
فيجوز هذا لعالم في مستوى مالك إذا رأى أن الحكم فيها هكذا أن يقول كذا، ولكن هذا المنهج أصبح بيد جهلة، فلو تفتّش في كل ثيابه تجد أنها لا تصلح للصلاة، فيجلس ليفرز كل البشرية إلى كفر وإسلام وصواب وخطأ وشرعي وغير شرعي ويجوز ولا يجوز.
فأصبح من الواجب مراجعة كل هذا الكلام في النشرات التي لا ضابط لها، وأصبح كله منسوبًا إلينا! فهذا بداية التصحيح؛ أن نُراجع كل هذه الأدبيات ونخلص إلى أدبيات تفيد الحق وتفيد الصواب وتفيد تأليف هؤلاء المسلمين حتى نأخذ بأيديهم إلى هذه المعركة.
كنت أتناقش مع أحد الإخوة السوريين من أئمة السلفية في بيشاور ففي نهاية الحديث قلت له:"مقتضى كلامك هذا أنّ في الجزائر من ستة وعشرين مليونًا لا يوجد أصلًا مليون مسلم، والأربعة وعشرين مليونًا كفرة!".
فقال لي:"وهل تظن أن هناك إسلامًا أكثر من هذا في الجزائر؟!".
فقلت له:"كيف يعني؟!".
قال لي:"نعم يمكن فيهم أربعة وعشرين مليون كافر فما الذي يزعجك أنت؟".
ثم استمرينا في الحوار قليلًا فقال لي:"والله شمت في أهل حماة عندما ذبحهم حافظ الأسد، الله لا يردّهم".
ثم مشينا خطوة، فقال لي:"هؤلاء الكروات الذين ذبحهم الصرب أحسن أنّهم ذبحوهم؛ لم يستريحوا بعد حتى أخرجوا ملكة جمال البوسنة من الكروات".
ثم قال لي:"وأقول لك نفس الكلام ينطبق على كوسوفو الآن، الله لا يردّهم".
(1) يقول الإمام الذهبي في (سير أعلام النبلاء) ط الرسالة 7/ 142:"قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: بَلَغَ ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَأْخُذْ بِحَدِيْثِ: (البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ) . فَقَالَ: يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ، وَإِلاَّ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ. ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ أَوْرَعُ وَأَقْوَلُ بِالحَقِّ مِنْ مَالِكٍ. قُلْتُ: لَوْ كَانَ وَرِعًا كَمَا يَنْبَغِي، لَمَا قَالَ هَذَا الكَلاَمَ القَبِيْحَ فِي حَقِّ إِمَامٍ عَظِيْمٍ، فَمَالِكٌ إِنَّمَا لَمْ يَعْمَلْ بِظَاهِرِ الحَدِيْثِ؛ لأَنَّهُ رَأَىهُ مَنْسُوْخًا. وَقِيْلَ: عَمِلَ بِهِ، وَحَمَلَ قَوْلَه: (حَتَّى يَتَفَرَّقَا) عَلَى التَّلَفُّظِ بِالإِيجَابِ وَالقَبُولِ، فَمَالِكٌ فِي هَذَا الحَدِيْثِ، وَفِي كُلِّ حَدِيْثٍ لَهُ أَجْرٌ وَلاَ بُدَّ، فَإِنْ أَصَابَ، ازْدَادَ أَجرًا آخَرَ، وَإِنَّمَا يَرَى السَّيْفَ عَلَى مَنْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ الحَرُوْرِيَّةُ. وَبِكُلِّ حَالٍ: فَكَلاَمُ="
=الأَقْرَانِ بَعْضِهِم فِي بَعْضٍ لاَ يُعَوَّلُ عَلَى كَثِيْرٍ مِنْهُ، فَلاَ نَقَصَتْ جَلاَلَةُ مَالِكٍ بِقَوْلِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فِيْهِ، وَلاَ ضَعَّفَ العُلَمَاءُ ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ بِمَقَالَتِهِ هَذِهِ، بَلْ هُمَا عَالِمَا المَدِيْنَةِ فِي زَمَانِهِمَا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-.
وَلَمْ يُسنِدْهَا الإِمَامُ أَحْمَدُ، فَلَعَلَّهَا لَمْ تَصِحَّ."اهـ."