آخرها وهذا مهمّ جدًّا ودقيق، لأن أصعب فكرتين نشتبك عليهم في البحث هما (مشكلة السلفية) و (مشكلة الحاكمية) ، لأنه يصعب فهمهما، لأنهما أساس الفكر الجهادي.
فالقول بالحاكمية بُني الجهاد كله عليه، كل حركات الجهاد بُنيت على: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [1] . فبُنيت على مبدأ الحاكمية. وهذا صحيح طبعًا قطعًا جزمًا، وهو عقيدتي وعقيدة كل الجهاديين الذين أعرفهم. الحاكمية بُنيت على متَّكئات فقهية محدَّدة؛ مثل التمايز، المفاصلة، إلى آخره في التعامل مع الحكومات. دخلنا من هذا المدخل وهو صواب، فما الذي حصل؟
الذي حصل: وقف لنا علماء أهل السنة كلها، كل الطوائف، شيوخ الأزهر، هيئة كبار العلماء، البوطي، الزنداني، الألباني، كل الناس وقفوا قالوا: الحاكم ليس كافرًا، وهو كفر دون كفر. قلنا لهم: قال ابن عطية، قالوا لنا: قال ابن عباس، قلنا لهم: قال مجاهد، قالوا لنا: قال مقاتل، وقالوا لنا: نحن الهيكل الديني لأهل السنة!
طيب نحن كلامنا صحيح ليس فيه جدال، ولكن أنت معك ثلاث نشرات؛ نشرة من أجل التحريض على الجهاد في مصر، تطبعها في بيشاور وتتوزَّع في باكستان، ومضمونها: يا أهل مصر اجتمعوا وجاهدوا!، بيان تُخرجه هنا وتوزعه في باكستان وهو لتحريض أهل الجزيرة!، في حين أن الدشوش والصحف والمجلّات والمؤتمرات، وندوات العلم، وطلبة العلم، والمساجد، يأتي بهذا الحشد كله من طرف الحكومة ليقنع الناس أنه:"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الصالحون!"، وأنت تقول: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، ففي النهاية الأمة كلها اقتنعت أن أولئك هم الصالحون!. فالسِّجال الفقهي بيننا وبين الحكومات خسرناه بسبب علماء النفاق، والحركات الإسلامية، والذين دخلوا البرلمان وغيره.
طيب خسرناه ونحن أهل الصواب، خلاص هل حكم الله عليَّ ألَّا أدخل إلا من هذا الباب وليس هناك باب ثانٍ؟! ليس في القرآن آية أخرى؟ ألا توجد مداخل مفهومة لعقول العامة لا يمكن أن يناطح أو يناقش فيها أحد ولا منافق ولا غيره؟ امشي في القرآن قليلًا تجد: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [2] . منهم يعني من؟ يعني الكافرون.
هذه الآية تصرفها أنت في البلدي عند العامي وتشرحها له بلغته التي يفهمها فتقول له:"يعني اللي بيجيب اليهود وبيدخل في صفهم هم يهود مثل حكايتهم يا عمي". الله -سبحانه وتعالى- قال: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} هذه الحالة هو يعيشها كل يوم، لا تحتاج مشايخ ولا تحتاج أحد.
(1) سورة المائدة، الآية: 44.
(2) سورة المائدة، الآية: 51.