مثل دولة القذافي، مثل دولة الملك حسين، مثل بعض الدول البسيطة، فهذه دولة منكوسة على قفاها، ليست مثل آل سعود، آل سعود هرم نظامي، المغرب هرم نظامي، إذا ذهب واحد يأتي واحد آخر؛ لأن النظام الدولي أسَّس هذا النظام بهذه الصورة المرتَّبة.
هذه الدول قد يستطيع تنظيم جهادي أن يضرب الحجر الأول أو الثاني فيها ولكن ماذا سيحدث للهرم؟ يتحطّم، تنفرط الدولة، لنفرض جدلًا أن الدولة أصبحت ركامًا، فهل يستطيع التنظيم الجهادي أن يستلم الدولة ويحكمها؟ قطعًا لا. لماذا؟ هم كلهم عشرون أو ثلاثون واحدًا، أين كوادرهم؟ أين سيطرتهم على الأرض؟ كيف سيُقيم دولة؟ هو دمّر الدولة، جئنا بالمتفجرات ونسفنا جسرًا، أو نسفنا ناطحة سحاب، فهل نستطيع عمل ناطحة سحاب؟ لا نستطيع؛ عملية التَّعمير ليست مثل عملية التحطيم، لأن حرب العصابات مع هذه الظروف لا تربّي كوادر تستطيع أن تستلم الدولة. حرب العصابات لا تسمح بتربية الكوادر.
في حين أنَّ الجبهة فيها تربية، وفيها قائد، وفيها مقود، وفيها أمة، وفيها مكاتب على الأرض، فإذا جاءنا طالب علم يأخذ مكانه، وإذا جاءنا رجل من الإعلام يأخذ مكانه، وإذا جاءنا ضابط جيش هاربًا يأخذ مكانه، وإذا جاءنا أي شخص يأخذ مكانه حتى نحقّق الانتصار على العدو، ثمّ نسيطر على قاعدة ونوسّعها شبرًا شبرًا حتى تتحوّل إلى إمارة.
فأعمال العصابات لا يمكن أن تُفضي إلى دولة، أعمال الاحتلال على أرض يمكن أن تفضي إلى دولة. هذا لعلّه من أهم ما أقول، النظرية العسكرية من أهم جوانب الفكرة، أن التنظيمات لا تُفرز دولة، الجبهة تفرز دولة على الأرض؛ كوادر، إمكانيات، تكشف القادة، تكشف الكاذب، الجبان، المنافق، المدَّعي، كله يُكشف، حتى المخبر، نصف المخبرين أيام أفغانستان تابوا عندنا في الجبهات. يجيء ويتوب في الجبهة، حصل كذا مرة، يتوب المخبر ويدخل معنا حقل ألغام، واحد مخبر يدخل حقل ألغام؟!
لذلك أنا قلت لهم لا أثق بأخ وأُدخله مرحلة الثقة إلا بعد عدة معارك أرى كيف يتصرّف فيها، وكنت حريصًا جدًّا ولا زلت على أنَّ يدخل رأس المجموعة المعركة لسببين غير الأجر والكسب: هو يتربَّى، وأمر آخر يكسر عين المقود، يكسر عين الجندي بأن يكون أمامه فيثق به. يثق به أنَّ هذا داخل معنا ويعيش مثلما نعيش. أما تضع ابنك في لوس أنجلوس وتأتي تقول: انزلوا للخط!، ( .. ) .
فالشاهد -سأختصر الآن- أنَّ قضية الجبهات لها من الفوائد العظيمة جدًّا في الوصول إلى إقامة إمارة، قضية الجبهات وهي أصل جهاد المسلمين، بل أخذنا نتأمل قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} [1] فرأيت فيه ملامح هذا الكلام. أخذت أتأمل أنَّ الله يحب الذين
(1) سورة الصف، الآية: 4.